قال الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، إن الاتفاق الأمريكي الإيراني الجديد يمثل تطورًا سياسيًا واقتصاديًا بالغ الأهمية، نظرًا لما يحمله من انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية، خاصة في ظل الدور المحوري الذي تلعبه منطقة الشرق الأوسط في تأمين جانب كبير من احتياجات العالم من النفط والغاز.

وأوضح الشوربجي أن أي تحسن في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران من شأنه أن يخفف حدة المخاطر الجيوسياسية في منطقة الخليج، وهو ما ينعكس بدوره على تكاليف التأمين البحري، وأسعار السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها النفط والذهب، إلى جانب تأثيره على أداء أسواق المال العالمية ومستويات ثقة المستثمرين.

وأضاف أن منطقة الشرق الأوسط شهدت خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في التوترات السياسية والأمنية، انعكس بصورة واضحة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والمال، مشيرًا إلى أن الاتفاق الأمريكي الإيراني الجديد حظي باهتمام واسع من الحكومات والمستثمرين والمؤسسات الاقتصادية الدولية، بسبب ما قد يترتب عليه من آثار عميقة على حركة التجارة العالمية وإمدادات النفط والغاز واستقرار الملاحة البحرية في الخليج العربي.

وأكد الشوربجي أن بنود الاتفاق، وفقًا للسيناريو المطروح، تتضمن إعادة فتح مضيق هرمز، ووقف التصعيد العسكري، وتخفيفًا جزئيًا للعقوبات النفطية المفروضة على إيران، وهو ما يعني أن تأثيره على الاقتصاد العالمي سيكون واسعًا، لكنه سيختلف من سوق إلى أخرى وفقًا لطبيعة كل قطاع ومدى ارتباطه المباشر بالتوترات في المنطقة.

وأشار إلى أن قطاع الطاقة سيكون الأكثر تأثرًا بصورة مباشرة، موضحًا أن عودة صادرات النفط الإيرانية تدريجيًا ستعني زيادة المعروض العالمي من الخام، كما أن إعادة فتح مضيق هرمز ستقلل مخاطر تعطل الإمدادات القادمة من دول الخليج، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت مضافة إلى أسعار النفط خلال فترة الأزمة.

وتابع أن أسعار النفط قد تشهد انخفاضًا مقارنة بذروة الأزمة، التي تجاوزت خلالها مستويات 120 دولارًا للبرميل في ظل إغلاق المضيق وتصاعد التوترات العسكرية، لافتًا إلى أن هذا الانخفاض سينعكس أيضًا على أسعار الغاز الطبيعي المسال المرتبط بصادرات الخليج، بما يحسن هوامش الربحية للدول المستوردة للطاقة مثل مصر والهند واليابان ودول الاتحاد الأوروبي.

وفيما يتعلق بالتأمين البحري والشحن، قال الشوربجي إن هذا القطاع كان من أكبر المتضررين من أزمة مضيق هرمز، بعدما ارتفعت أقساط التأمين على ناقلات النفط وزادت تكاليف المخاطر الحربية، إلى جانب تعطيل حركة مئات السفن في الخليج واضطرار شركات الشحن إلى استخدام مسارات بديلة أكثر تكلفة.

وأوضح أن نجاح الاتفاق الأمريكي الإيراني سيجعل قطاع الشحن والتأمين البحري من أبرز المستفيدين، إذ من المتوقع أن تنخفض أقساط التأمين البحري وتتراجع رسوم المخاطر الحربية مع عودة حركة الناقلات تدريجيًا، وهو ما يؤدي في النهاية إلى انخفاض تكاليف نقل النفط والسلع عالميًا.

أما بالنسبة للذهب، فأكد الشوربجي أن المعدن النفيس يستفيد عادة من الحروب والأزمات، باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة في أوقات عدم اليقين، لكن في حال نجاح الاتفاق وعودة قدر أكبر من الاستقرار، فإن الطلب على الذهب قد يتراجع مع انخفاض المخاطر الجيوسياسية وزيادة الطمأنينة في الأسواق.

وأضاف أن تراجع التوتر سيدفع جزءًا من الأموال التي كانت تتجه إلى الذهب إلى التحول نحو الأسهم والسندات والأصول الاستثمارية الأخرى، متوقعًا أن يؤدي نجاح الاتفاق إلى هبوط أسعار الذهب نتيجة تراجع الطلب على الملاذات الآمنة وانخفاض المضاربات المرتبطة بالمخاطر السياسية والعسكرية.

وأشار الشوربجي إلى أن التزام الأطراف بتنفيذ الاتفاق الأمريكي الإيراني الجديد سيؤدي إلى تراجع مخاطر الحرب وانخفاض أسعار الطاقة، وهو ما يخفف الضغوط التضخمية عالميًا، ويقلل احتمالات رفع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، بما يفتح المجال أمام انتعاش أسواق المال العالمية.

وأكد أن أسواق المال قد تكون من أكبر المستفيدين من الاتفاق، لأن وضوح الرؤية وتراجع حالة عدم اليقين سيدعمان شهية المستثمرين للمخاطرة، ويعززان تدفق الأموال نحو الأصول المالية، خاصة في ظل انخفاض تكاليف الطاقة والنقل وتحسن سلاسل الإمداد.

ولفت إلى أن الأثر الإيجابي للاتفاق لن يقتصر على الأسواق المالية فقط، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي ككل، إذ يمكن أن يسهم في دعم معدلات النمو خلال عامي 2026 و2027، من خلال تراجع الضغوط التضخمية، وانخفاض تكاليف النقل، وتحسن سلاسل الإمداد، وتراجع أسعار الطاقة.

وشدد الشوربجي على أن الاتفاق الأمريكي الإيراني الجديد يعد تطورًا سياسيًا واقتصاديًا مهمًا، ليس فقط على مستوى العلاقات بين واشنطن وطهران، بل على مستوى الاقتصاد العالمي بأكمله، موضحًا أن نجاحه في تخفيف التوترات الإقليمية وتعزيز الاستقرار في منطقة الخليج قد يساعد على استقرار أسواق الطاقة وخفض تكاليف النقل والتأمين البحري وتقليل الضغوط التضخمية التي تواجه العديد من الاقتصادات حول العالم.

واختتم الدكتور محمد الشوربجي تصريحاته بالتأكيد على أن انعكاسات الاتفاق تمتد إلى أسواق الذهب وأسواق المال العالمية، حيث يؤدي تراجع المخاطر الجيوسياسية إلى تعزيز ثقة المستثمرين وزيادة الإقبال على الأصول الاستثمارية، مقابل تراجع الطلب على الملاذات الآمنة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن حجم التأثير الفعلي سيظل مرهونًا بمدى التزام الأطراف بتنفيذ بنود الاتفاق واستمرارية الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة.

وأكد أن هذا الاتفاق يمثل فرصة مهمة لدعم النمو الاقتصادي العالمي وتعزيز الاستقرار في الأسواق الدولية، إلا أن تحقيق هذه المكاسب يتطلب استمرار الحوار والتعاون بين مختلف الأطراف، بما يضمن الحفاظ على الأمن الإقليمي واستقرار الاقتصاد العالمي على المدى الطويل.