على بعد نحو عشرين كيلومترا من مدينة زاكورة، يواصل دوار تامكروت منذ قرون صون مهارة حرفية متجذرة تحولت إلى إرث ثقافي وطني، تتمثل في صناعة الفخار الأخضر. وفي هذه البلدة، تدب الحياة في الطين لتتشكل منه إبداعات فريدة، إذ تتحول المادة الطينية بين أنامل صناع تقليديين متمرسين إلى تحف فنية تعكس أصالة وخصوصية الهوية الثقافية لواحات الجنوب الشرقي للمملكة.
وبفضل ألوانه المتدرجة بين الأخضر الداكن والبني، ومظهره الأصيل ذي الطابع التقليدي، أضحى فخار تامكروت من أبرز رموز الصناعة التقليدية المغربية.
وحسب معلمي الفخار، فإن اللون الأخضر الداكن الذي يميز منتوجات المنطقة هو نتاج تقنية خاصة في الطلاء الزجاجي، تعتمد على مواد طبيعية محلية، لاسيما المنغنيز وأكسيد النحاس والسيليكا ودقيق الشعير.
وفي تصريح صحافي، أوضح المعلم الصانع عبد الكريم آيت داني أن عملية التصنيع تبدأ باستخراج الطين من محيط الوادي على عمق قد يصل إلى خمسة أمتار، مشيرا إلى أن هذه المادة الأولية تخضع لثلاث مراحل متتالية من التصفية والمزج بالماء، قبل أن تُشكَّل يدويا باستعمال الدولاب التقليدي، ثم تُجفف تحت أشعة الشمس لعدة أيام، لتُطهى بعد ذلك في أفران طينية.
وأكد آيت داني أن هذه الطريقة العريقة تمنح الفخار مظهره الأصيل، فضلا عن قدرته العالية على مقاومة درجات حرارة قد تصل إلى 1000 درجة مئوية.
ولا تقتصر مهارة حرفيي تامكروت على صنع الأواني التقليدية من قبيل الطواجن والجرار والصحون والمزهريات، إذ شهد القطاع تطورا لافتا بفضل إدخال تقنيات مبتكرة، لاسيما تزيين الفخار بالحناء، بما يضفي بعدا جماليا جديدا على الإبداعات المحلية. وفي هذا السياق، أبرز الصانع التقليدي سعيد آيت داني أن استعمال الحناء الممزوجة بالشاي والسكر، وأحيانا بالزعفران حسب رغبة الزبناء، وتثبيتها بطبقة من الورنيش، أضحى بصمة حصرية تميز تامكروت.
وأضاف أن هذه المنتجات الحرفية، ولاسيما القطع المزينة بالحناء والمعدة حسب الطلب، تعرف إقبالا كبيرا باعتبارها تحفا للزينة وهدايا راقية تقدم خلال المناسبات العائلية وحفلات الزفاف والتظاهرات الثقافية والرياضية بالمنطقة.
وسجل المتحدث ذاته أن الصناع المحليين، وفي ظل منافسة المنتجات الصناعية، يراهنون على أصالة وجودة عملهم من أجل الحفاظ على حيوية هذا الموروث العريق.
وبفضل هذا المزج المتناغم بين المهارة المتوارثة والتقنيات المبتكرة، توفر ورشات تامكروت اليوم أكثر من 180 منتوجا مختلفا، تشمل المزهريات والقصعات والشمعدانات وأغطية المصابيح وغيرها من القطع المخصصة للزينة؛ وهو تنوع إبداعي مكن الفخار المحلي من ترسيخ مكانته ضمن أبرز منتجات الصناعة التقليدية المغربية.
كما أسهم هذا الزخم في تحويل ورشات الفخار بتامكروت إلى وجهة سياحية وثقافية بامتياز، إذ يتوافد عليها زوار مغاربة وأجانب لاكتشاف مختلف مراحل تصنيع المنتجات الحرفية واقتناء قطع فنية فريدة، ما يجعل من هذه الحرفة رافعة اقتصادية حقيقية تساهم في التنمية المستدامة والنهوض بالسياحة بجهة درعة-تافيلالت.
وإلى جانب قيمته الاقتصادية، يشكل فخار تامكروت عنصرا أساسيا ينهل من التراث المحلي والهوية الثقافية للمنطقة. وباعتبارهم حراسا لإرث ضارب في القدم، يواصل حرفيو المنطقة، بكل فخر وشغف، تشكيل تاريخ واحة بأكملها؛ فكل قطعة تصنع داخل ورشاتهم تشهد على موروث عريق، تتداخل فيه الأرض والنار وبراعة الصانع، لصون هوية ثقافية متفردة.

