تشهد حركة الملاحة في الخليج حالة من الغموض والترقب بشأن مستقبل العبور عبر مضيق هرمز، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق سلام قال إنه يجيز إعادة فتح المضيق ورفع الحصار البحري الأمريكي.
ووصف تقرير نشرته “فورين بوليسي”، الوضع في المضيق بأنه أشبه بـ”عش الدبابير”، في ظل تعدد التصريحات المتناقضة منذ إغلاق إيران للمضيق مطلع مارس؛ ما جعل شركات الشحن والسفن غير قادرة على تحديد ما إذا كان العبور عبر هذا الممر البحري الحيوي خطوة آمنة أم محفوفة بالمخاطر.
وبحسب ما أُعلن، وقّع ترامب ونائبه جيه دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، مذكرة تفاهم رقمياً في 15 يونيو، إلَّا أن مراسم التوقيع الرسمية لن تُعقد قبل 19 يونيو. وحتى ذلك الحين، ستتحرك السفن الراغبة في العبور وسط حالة من الغموض القانوني.
وبعد ساعات من الإعلان عن الاتفاق، بدأت بعض السفن بالتحرك. وقال ترامب إن السفن بدأت تسلك “الطريق الجنوبي” الذي وصفه بأنه آمن ومؤمّن بالكامل، في إشارة إلى مسار الملاحة الواقع في المياه الإقليمية العمانية.
غير أن مواقع تتبع السفن أظهرت حركة محدودة ضمت عدداً قليلاً من ناقلات النفط، فيما فضلت أغلبية السفن انتظار التوقيع الرسمي على اتفاق وقف إطلاق النار.
ولا تزال بعض التساؤلات قائمة، من بينها ما إذا كان التوقيع المزمع في 19 يونيو سيؤدي فعلاً إلى إعادة فتح المضيق. فبينما أعلن ترامب خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع في فرنسا أن المضيق سيكون “مفتوحاً بالكامل” يوم الجمعة، نقلت وكالة “مهر” الإيرانية أن خطة النقاط الـ14 المتفق عليها بين الولايات المتحدة وإيران تنص على إعادة فتح هرمز “خلال 30 يوماً ووفق ترتيبات إيرانية”.
وأشار التقرير إلى أن نجاح بعض السفن في العبور خلال الأيام الأخيرة لا يضمن بالضرورة أن تتمكن سفن أخرى من تحقيق النتيجة نفسها.
كما تظل احتمالات التصعيد قائمة. فقد أعلنت الولايات المتحدة وإيران وباكستان أن اتفاق السلام يتضمن وقفاً للعنف في لبنان، في حين أكدت إسرائيل أن قواتها ستبقى هناك. وفي 16 يونيو، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن إيران ستعتبر أي هجوم عسكري إسرائيلي على لبنان أو استمرار الوجود الإسرائيلي هناك “انتهاكاً لمذكرة التفاهم”.
وفي حال صمود وقف إطلاق النار ورغبة معظم السفن في المغادرة، فإن السؤال الأول يتعلق بترتيب خروجها. ونظراً لأن مدة وقف إطلاق النار لا تتجاوز 60 يوماً، فمن المتوقع أن تحدث منافسة قوية للحصول على أولوية العبور عبر المضيق.
وقال سفين رينغباكن، المدير التنفيذي لشركة DNK المتخصصة في التأمين البحري ضد مخاطر الحروب، إن “الضغوط التجارية قد تؤثر أيضاً على القرارات”، موضحاً أن شحنات النفط والغاز والمنتجات البترولية التي تغادر مبكراً قد تحقق أرباحاً كبيرة، فيما تعتمد قيمة شحنات الأسمدة على توقيت وصولها قبل مواسم الزراعة.
ولا تزال الإجابات غامضة بشأن الجهة المسؤولة عن تنظيم خروج السفن. وقال جوشوا هاتشينسون، المدير التجاري لشركة أمبري للأمن البحري، إن “إيران تقول إنها صاحبة القرار، بينما تؤكد الولايات المتحدة أن جميع السفن حرة في المغادرة”.
وأضاف أن بعض السفن البالغ عددها نحو 600 سفينة قد لا تتمكن من الخروج خلال فترة الـ60 يوماً، وقد تواجه انتظاراً أطول إذا لم يعقب وقف إطلاق النار اتفاق سلام دائم.
كما يواجه ملاك السفن تساؤلات بشأن المسار الذي ينبغي استخدامه. فمنذ توقف نظام تنظيم حركة المرور الذي كانت تديره إيران وسلطنة عمان مع اندلاع الحرب، أصبحت السفن تستخدم إمَّا المسار الشمالي بمحاذاة السواحل الإيرانية أو المسار الجنوبي بمحاذاة السواحل العمانية.
وقال رينغباكن إنه يتوقع أن يحظى المسار الجنوبي، الذي كانت تحميه الولايات المتحدة، بشعبية أكبر، لكنه أشار إلى أن قدرته الاستيعابية لا تتجاوز 10% من حجم الحركة الطبيعية في المضيق.
وفي المقابل، من المتوقع أن تستخدم بعض السفن المرتبطة بدول صديقة لإيران أو الناقلة للنفط الإيراني المسار الشمالي، الذي تديره حالياً هيئة مضيق الخليج الفارسي الجديدة. إلَّا أن رينغباكن قال إن هذا الخيار “ليس عملياً بالنسبة للسفن الغربية” في ظل نظام العقوبات الحالي.
وتمنع العقوبات الغربية سداد مدفوعات للسلطات الإيرانية، في وقت أفادت فيه وكالة “فارس” الإيرانية بأن طهران ستكون قادرة، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على فرض رسوم على السفن العابرة لمياهها. كما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن “الرسوم ستُفرض مقابل الخدمات المقدمة”.
وقد يعني ذلك السماح بهذه المدفوعات بموجب الاتفاق، رغم أن العقوبات الدولية تحظرها، في حين نقل عن ترامب قوله لصحيفة “نيويورك تايمز” إن مضيق هرمز سيكون “مجانياً بشكل دائم”.
ومن بين المخاوف الأخرى التي تواجه السفن، خطر الألغام البحرية. وليس من الواضح ما إذا كانت إيران تعرف مواقع الألغام التي زرعتها في المضيق أو ما إذا كانت تمتلك القدرة على إزالتها بسرعة.
وقال رينغباكن إنه ما لم تحدد إيران مواقع الألغام أو يُعلن عن ممرات آمنة خالية منها، فإن الشركات الأكثر استعداداً لتحمل المخاطر ستكون أول من يعبر، فيما ستنتظر شركات أخرى حتى تتأكد من سلامة الطريق.
ولا تتعلق عودة الأوضاع إلى طبيعتها في هرمز بخروج السفن العالقة فحسب، بل أيضاً بعودة حركة السفن المتجهة إلى المضيق. كما أن مسألة رسوم الخدمات ستبقى مرتبطة بإمكانية رفع العقوبات المفروضة على إيران، وهو ما وُصِف بأنه قد يشكل نتيجة مفارقة لهذه الحرب.

