جدول المحتوى

.

  1. شخصيات عراقية ضالعة في حملات ضغط في واشنطن
  2. الخرق مستبعد

ترعى شخصيات عراقية نافذة، منذ نحو ثلاثة أشهر، حملات ضغط وعلاقات عامة ممولة في واشنطن (lobbying)، ضمن مساعي فتح قنوات تأثير وبناء صورة أفضل لنفسها أمام دوائر القرار والإعلام ومراكز التفكير في الولايات المتحدة الأميركية، وفق معلومات حصرية لـ”العربي الجديد”، تؤكد أيضاً أن العائد السياسي لهذه الحملة ما يزال محدوداً للغاية.

الحراك النشط في واشنطن لا يمكن فصله عن المشهد السياسي العام في بغداد، ونجاح الضغط الذي مارسته الإدارة الأميركية بالفترة الماضية في إقصاء الفصائل عن أي تمثيل بحكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، والتي نالت الثقة الشهر الماضي. كذلك لا يمكن فصله عما يجري من تفاعلات ميدانية مُصاحبة في ملف “حصر السلاح بيد الدولة”، واختفاء الخطاب الإعلامي المناوئ للولايات المتحدة الذي تبنته قنوات ومحطات فضائية مختلفة في العراق، مرتبطة بجهات سياسية وأخرى فصائلية. 

وتأتي هذه الحملات بالتزامن مع زيارة مقررة بعد نحو شهر لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن، إذ أعلنت الحكومة العراقية والسفارة الأميركية في بغداد، في بيان مشترك الثلاثاء الماضي، أن المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية والعراق توم برّاك نقل للزيدي “تطلّع الرئيس (الأميركي دونالد) ترامب” لاستقباله في البيت الأبيض في منتصف يوليو/ تموز المقبل.

وبحسب البيان فقد جدّد الزيدي وبرّاك “تأكيد الالتزام المشترك لحكومة العراق، وحكومة الولايات المتحدة بقيادة الرئيس ترامب، بإقامة شراكة أميركية-عراقية قوية ومتبادلة المنفعة، قادرة على تحقيق تطلعات العراقيين نحو مستقبل يتمتع بالسيادة والأمن والازدهار، وتوفير فوائد ملموسة لكل من الشعبين الأميركي والعراقي”. وأضاف أن في “اجتماعهما في 15 يونيو/ حزيران” الحالي، نقل برّاك إلى الزيدي “تطلّع الرئيس ترامب إلى استقباله. في البيت الأبيض في منتصف يوليو لمناقشة مستقبل هذه العلاقة المهمة” بين البلدَين.

كما حمل البيان عبارات مشددة حيال ملف سلاح الفصائل العراقية، حيث أكد أهمية “تنفيذ الخطط العراقية الرامية إلى النزع الكامل للسلاح وحل جميع الجماعات والتشكيلات المسلحة العاملة خارج سلطة الدولة العراقية وسيطرتها، وحصر السلاح بيد الدولة العراقية، وفرض السيادة الكاملة بما يضمن إبعاد العراق عن الصراعات وعدم استخدام أراضيه من أي طرف لتهديد السلم الإقليمي”. وجاء في البيان أن الزيدي وبرّاك أكدا “الحاجة الملحّة إلى الاستكمال الكامل لهذه الجهود”.

هذه الفقرة في البيان تُفهم على أنها تشدد أميركي حول المساعي الحكومية لاحتواء بعض الفصائل، بفك ارتباطها بقياداتها السياسية والدينية وربطها بالحكومة، وهو ما أعلنته عدة فصائل في الأسبوعين الأخيرين.

وكشف مسؤول عراقي بارز في بغداد، عن اجتماع استثنائي بين الزيدي وبرّاك، الثلاثاء الماضي، قائلاً لـ”العربي الجديد”، إن “الجانب الأميركي قدّم شروطاً لاستمرار الدعم والعلاقات مع بغداد”. وأضاف أن “المسؤول الأميركي غير مقتنع بمسألة فك الارتباط أو وضع الفصائل تحت إدارة الحكومة، ويراها إجراءات إعلامية وغير حقيقية، كما يطلب تجريدها من السلاح، خصوصاً الطائرات المسيّرة والصواريخ، وإيجاد مساحة لعناصر هذه الفصائل غير (بعيداً عن) العمل المسلح كلياً”.

شخصيات عراقية ضالعة في حملات ضغط في واشنطن

وجمعت “العربي الجديد” معلومات عبر عدة مصادر سياسية وأخرى تنشط في مراكز بحثية وعلاقات عامة بواشنطن، أكدت ضلوع ثلاث شخصيات عراقية بارزة على الأقل في حملات ضغط في واشنطن، اثنتان منها ضمن ائتلاف الإطار التنسيقي الحاكم، أحدهما زعيم لفصيل مسلح، أعلن أخيراً قبوله بخطوة حصر السلاح بيد الدولة، وفكّ ارتباط ألويته داخل “الحشد الشعبي”. وتأتي هذه الحملات في إطار الجهود الرامية لإيصال “رسائل إيجابية”، للجانب الأميركي، ومن جهة أخرى لنفي المشاركة في الهجمات ضد المصالح الأميركية في العراق والمنطقة، خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، مع التأكيد على انفتاح هذه الشخصيات على التفاهم والتأسيس لمرحلة علاقات جديدة (مع واشنطن).

هذه المعلومات أكدها مسؤول في دائرة الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأميركية، لـ”العربي الجديد”، قائلاً إن شخصيات عراقية وظّفت، في الأسابيع الأخيرة، جهوداً لـ”تحسين صورتها” في واشنطن، وتستهدف وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث وشخصيات مؤثرة، إلى جانب أعضاء في الكونغرس الأميركي.

حملات ما زالت مستمرة من خلال مكتب علاقات عامة وفرق تشبيك معروفة.

المسؤول ذاته الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، أشار إلى أن تلك حملات ضغط جاءت مع بدء مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية الحالية، وما زالت مستمرة، من خلال مكتب علاقات عامة وفرق تشبيك معروفة. وتعتمد هذه الجهات، وفق المسؤول، على باحثين وناشطين سياسيين أميركيين من أصول عراقية، وعلى أعضاء كونغرس سابقين، ودبلوماسيين وعسكريين سبق لهم الخدمة في العراق، إلى جانب صحافيين ومسؤولي علاقات عامة في صحف أميركية. 

هذا الحراك تُمكن قراءته مؤشراً إلى تزايد التأثير الأميركي المباشر على الساحة العراقية، بعد تراجعه في السنوات الماضية، وذلك عبر استخدام الولايات المتحدة ورقتي التدخل العسكري ضد الجماعات المسلحة التي تصفها بـ”الحليفة لإيران”، والتهديد بفرض عقوبات اقتصادية.

وخلال الفترة بين الثالث من مارس/ آذار الماضي و23 مايو/ أيار الماضي، رُصد في إطار حملات ضغط انعقاد عدة ندوات متعلقة بالعراق في واشنطن، واحدة منها فقط عُقدت من قبل معهد أبحاث مهتم بشؤون الشرق الأوسط، بينما اثنتان منها فشلتا بسبب عدم تمكن شخصيات عراقية من المشاركة بالفعاليتين، لرفض منحها تأشيرات دخول، بين هذه الشخصيات مسؤول بحكومة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، ما دفع إلى تحويلهما لندوتين افتراضيتين. 

في الفترة نفسها، جرى تنظيم عشاءي عمل، أحدهما عشاء سياسي في فندق يقع بحي وست أند الشهير في واشنطن، والمعروف بتنظيم الندوات واللقاءات للنخب السياسية والمهتمين. وقد شاركت في العشاءين شخصيات مختلفة ما بين باحثين وسياسيين وصحافيين، فيما كانت النقاشات تتعلق بالعراق وعلاقته بالحرب الحالية على إيران ومآلات البلاد في حال تغيير النظام الإيراني والمشهدين السياسي والأمني.

حملات العلاقات العامة أو حراك التأثير داخل دوائر السياسة والقرار الأميركي غير جديدة على المشهد العراقي، إذ يعود إلى عام 2001 قبل عامين من الغزو الأميركي للعراق وإسقاط نظام صدام حسين، غير أن مُلاحظة حدوث حملات ضغط مجدداً في واشنطن، تستهدف ما يمكن اعتباره ترميم العلاقات أو إصلاحها، كما يظهر منها. 

  ندوات ركّزت على اتفاق شخصيات مع واشنطن في الحرب على الإرهاب والتفاهم في مجالات اقتصادية بين العراق وأميركا.

أحد المشاركين في هذه الندوات المُغلقة صحافي أميركي من أصل لبناني عمل في العراق واليمن وسورية خلال الفترة الماضية، من خلال قصص ميدانية، وقد وجهت له دعوة من ناشط عراقي كردي. وقال الصحافي الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، لـ”العربي الجديد”، إن الندوات ركّزت على نقاط الاتفاق بين شخصيات عراقية محددة ونافذة في بغداد، مثل اتفاق هذه الشخصيات مع واشنطن في مسألة الحرب على الإرهاب، ومنع عودة تنظيم داعش، والتفاهم في مجالات اقتصادية بين العراق والولايات المتحدة، إلى جانب رفض الهجمات ضد المصالح الأميركية. لكن الصحافي نفسه اعتبر هذه الندوات “طبيعية تتكرر من قبل دول كثيرة، خصوصاً تلك التي لديها مصالح أو أزمات مع واشنطن”. 

هذه الحملات المدفوعة، بمبالغ مالية تبدأ من 200 ألف دولار فصعوداً بحسب المدة والمستهدفين منها أساساً حسب العُرف السائد عند شركات العلاقات، ما زالت محدودة التأثير، إذ لا يظهر أي تغيير في التصريحات الأميركية، أو في التعاطي العام مع المشهد العراقي. 

السياسي العراقي المقيم في واشنطن نزار حيدر كشف لـ”العربي الجديد” عن “مكتب علاقات عامة معروف بتبنيه حملات تشبيك وفتح قنوات اتصال لجهات ودول وشخصيات في الشرق الأوسط، يُنفذ منذ أشهر عديدة حملة إيصال رسائل و(تنفيذ حملة) علاقات عامة وتغيير انطباع لصالح شخصيتين عراقيتين”؛ الشخصية الأولى، وفق حيدر، “قيس الخزعلي (زعيم فصيل عصائب أهل الحق الذي أعلن مطلع شهر يونيو الحالي، فك الارتباط بهيئة الحشد الشعبي وتسليم سلاحه للدولة)، والثانية ريان الكلداني (زعيم حركة بابليون)”.

وأكد أن مكتب العلاقات المعني “لديه تعاون مستمر مع بافل الطالباني، زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية بإقليم كردستان، ويُعتقد أنه هو من نسّق التعاون الجديد مع حليفيه الرئيسيين بالعراق، الخزعلي والكلداني”. تأثير هذا الحراك المنفرد من قبل شخصيات عراقية سياسية وفصائلية داخل واشنطن، “يبقى محدوداً”، بحسب حيدر الذي عزا ذلك إلى “عوامل قانونية وأخرى مؤسساتية في واشنطن”. 

من جهة أخرى رفض مسؤولون في مكتبي الخزعلي والكلداني التجاوب مع طلبات الحصول على تعليق لهما بشأن ضلوعها بأنشطة حملات ضغط داخل الولايات المتحدة، رغم اتصالات ورسائل مكتوبة وجهت لهما بهذا الخصوص. 

الخرق مستبعد

ولأول مرة منذ ثلاث حكومات، يُقصى قيس الخزعلي وريان الكلداني من أي تمثيل حكومي رغم حصولهما على مقاعد برلمانية، وذلك نتيجة الضغوط الأميركية التي أقصت أيضاً جماعات أخرى من التمثيل بالحكومة، أبرزها “جند الإمام” بزعامة أحمد الأسدي، و”سيد الشهداء” بزعامة أبو آلاء الولائي، و”الأوفياء” بزعامة حيدر الغراوي، و”الإمام علي” بزعامة شبل الزيدي، و”كتائب حزب الله” بزعامة أحمد الحميداوي. 

عضو في “لجنة مستقبل العراق”، وهي لجنة سابقة تشكلت عام 2017 برئاسة السفير الأميركي الأسبق في العراق رايان كروكر، أكد هذه المعلومات، في رد مكتوب. وقال لـ”العربي الجديد”، إن “اهتمام السياسيين العراقيين في ضمان علاقات جيدة مع الإدارات الأميركية المتعاقبة، مزمن ولم يتوقف، لكن الجديد هو وجود شخصيات مناوئة لواشنطن، أو محسوبة على الأقل ضمن النفوذ الإيراني بالعراق، تهتم بمثل هكذا حراك”.

واستبعد هذا العضو الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه أن يؤدي تنظيم الندوات واللقاءات أو كتابة مقالات بصحف أميركية إلى تحقيق خرق بموقف واشنطن تجاه عدد من اللاعبين الرئيسيين بالمشهد العراق. وفي رأيه فإن “بعض الزعامات العراقية المسلحة، تحاول تكرار نموذج (الرئيس السوري) أحمد الشرع، من مطلوب على خلفية الإرهاب إلى حليف”.

أحمد النعيمي: الإدارة الأميركية الحالية لا تتعامل مع أشخاص، بل مع حكومات
 

في هذا السياق، اعتبر الخبير في الشأن السياسي العراقي أحمد النعيمي أن الإدارة الأميركية الحالية لا تتعامل مع أشخاص، بل مع حكومات، ولهذا ضغطت وتشددت في تحديد مع من تتعامل في الحكومة العراقية الجديدة ومن الذي سيكون ممثلاً فيها. وأوضح لـ”العربي الجديد” أن “أي حملات ضغط لتحسين سمعة شخصية قريبة من السلاح في العراق، ستُقاس بسؤال بسيط داخل واشنطن: هل هذه الشخصية قادرة فعلاً على التغيير، أم إنها تحاول شراء قبول أميركي مع بقاء السلاح والنفوذ كما هما؟”.

ورأى النعيمي أن حملات العلاقات العامة الحالية “قد تنجح في تقليل الكلفة السياسية مستقبلاً، غير أنه في ظل الأوضاع الحالية بالمنطقة، لا يعتقد أنه سيكون هناك أي تبدل أميركي في المواقف تجاه الشخصيات العراقية المحسوبة على منظومة الحرس الثوري (الإيراني) أو إيران ككل”.

(شارك بالتقرير من بغداد/ عادل النواب).