كثيرة هي توصيفات الكاتب والكتابة في التاريخ البشري، لكن التوصيف الأجمل لعلّه ما قدمته الفلسفة الوجودية في هذا المجال، وهي تنصفهما، ففي نظرها الكاتب هو الإنسان الذي “يحاول أن يخلق معنى ما في عالم يبدو المعنى فيه مشتّتاً وغير مكتمل وغير جاهز”. هذا العبث الوجودي يلزمه طريقة ما للصمود أمامه، تتمثل في الكتابة التي ينتهي دورها وظيفةً هنا لتتحوّل إلى عالم كامل يقف في وجه اللامعنى المتمثل في الوجود. هكذا تظهر الكتابة كما لو أنها العالم الذي يُحدثه الكاتب ليقف في وجه العالم العبثي الموجود أصلاً في الكون. هذا الخلق الذي يقوم به الكاتب يكون مرتبطاً بمحيطه ومكانه وبيئته بقدر ما يكون إنسانياً عاماً، ذلك أن “العالم يبدأ من عتبة بيتي”، بحسب رسول حمزاتوف، والعالم هذا لا يمكن للكاتب المساهمة في تغييره إن لم يبدأ من محيطه، من إيجاد معنى جديد للحياة وللمفاهيم الإنسانية الكبرى ولقيم كالجمال والحرية والقبول والتنوع في محيطه؛ حين يتمكّن الكاتب من المساهمة في خلق ذلك كله في محيطه سوف يكون قادراً على فعل هذا على المستوى الإنساني.
ضمن المعنى السابق، قد يبدو الكاتب الأكثر ارتباطاً بمفهوم المواطنة من الآخرين، فهو الأكثر اعتناء بالعلاقة التي تربطه بمحيطه، وهذا لا يعني تميزاً أو استعلاء، هذه مسؤولية مضافة إليه بوصفه فرداً يعيش في مجتمع ما، ذلك أن الكاتب، بطريقة من الطرق، يشكل ما يشبه الضمير للمجتمع، الضمير الذي يحمي المجتمع من أمراضه عبر الإشارة والتنبيه المتواصل لها في نصوصه. هذا أمر لا يفعله فرد عادي، يفعله فرد يعرف كيف ينخرط في قلب المجتمع ويشخص علله بوضوح ويفكك بنيته المركبة في السعي إلى إيجاد حلول وعلاجات إنسانية قد تكون تنظيرية كما يرى بعضهم، لكنه التنظير التشخيصي اللازم للبدء بأي علاج. هكذا يحمي الكاتب (كما يفترض) المجتمع من الموت، من الزوال، من الاندثار، أو على الأقل هو من الأسباب الأولى التي تساعد المجتمع على المقاومة ضد العبث وضد الفناء، هو يساعد المجتمع على التمسّك بمعنى وجوده، ليس من خارجه، بل من قلب بنيته كما لو أنه ناطق باسمها، أو كما لو أن الكتابة هي المجهر الذي يكشف ما تخفيه بنية المجتمع.
هذه العلاقة البنيوية بين الكاتب ومحيطه أو مجتمعه تلزمها مساحة واسعة من الحرية على الكاتب امتلاكها كي يتمكّن من التخفف من كل القيود العائلية والعشائرية والدينية من دون أن يكون كارهاً لها، فالكراهية سوف تنتج رؤية مريضة لما يراد التخفّف منه، وسوف تعيق آلية التفكيك والتشريح والخلق لصالح الهدم والفناء. يمكن توصيف هذه العلاقة بالتوترية التي تجعل الكتابة على مسافة قريبة جدّاً من بنية المجتمع لكشفها، وعلى مسافة بعيدة جداً من البنية نفسها كي تكون حرّة من الانحيازات. يمكن القول إن التوتر في العلاقة هو ما يحمي الكتابة من سلطة المجتمع وهيمنة قيوده، وهي ما يحمي الكاتب من التحوّل إلى داعية إلى هذه البنية أو صامت عنها.
تحفظ الكتابة ما تريد سلطة المجتمع السكوت عنه من اللغة اليومية لأفراده ومن الألم الجمعي الناتج عن الصدمات الجمعية والألم الفردي الناتج عن المكابدات الشخصية؛ تحفظ الكتابة أيضاً التفاصيل التي لا تدخل في سجلات التاريخ الرسمي للمجتمع أو لسلطته، تحفظ الكتابة كل ما يجعل الكاتب ذاكرةً غير رسمية للمجتمع. وهذه ليست وظيفة كما قد تبدو، هذه، حقّاً، آلية خلق لعالم جديد مقابل للعالم الموجود أصلاً، هذه آلية لبناء معنى أكثر إنسانية مما هو مرسَّخ، ومما تزيده تمكّناً سلطة الغلبة والقوة والمال والتفوق والسلاح والمصالح والاصطفافات الضيقة العمياء أو التي ترى بعين المصلحة… هذه آلية فهم جديد للواقع تضع الكاتب في قلب المسؤولية إذا ما انحدر المجتمع نحو الخراب، فالكاتب حين يريد أن يصبح جزءاً من الضمير الجمعي لمجتمعه عليه أن يرى المجتمع بعين إنسانيته المتحاورة لا بعين انتمائه المغلق.

