جدول المحتوى
.
دفعت القرارات الأخيرة المتعلقة بالبلديات والشركات وقيادات الأحزاب نظام الوصاية إلى واجهة المشهد التركي، بعدما منحت حكومة “العدالة والتنمية” قدرة أوسع على ضبط مؤسسات خرجت عن نطاق نفوذها السياسي والاقتصادي.
وتتيح هذه الآلية للسلطة الحالية سحب إدارة المؤسسة من مسؤوليها المنتخبين أو إدارتها الأصلية وتسليمها إلى مسؤول حكومي أو صندوق عام أو هيئة مؤقتة تعيّنها المحكمة، كما يحدث في بلديات المعارضة والشركات الخاضعة للتحقيقات والدعاوى التي تهدد البنية التنظيمية لـ”الشعب الجمهوري”.
وقال مصدر سياسي تركي مطلع، لـ”إرم نيوز”، إن دوائر القرار داخل الحكومة تتابع بصورة متزايدة المؤسسات التي تملك موارد مالية وتأثيرًا جماهيريًا، وفي مقدمتها البلديات الكبرى والشركات المؤثرة ووسائل الإعلام المعارضة، مع اتساع الملفات القضائية والإدارية المفتوحة حولها.
سجلت أحدث حلقات هذا المسار تعيين أوصياء رقابيين على 13 من أكبر شركات الدواجن واللحوم البيضاء بذريعة الإخلال بعمل السوق ورفع الأسعار، بالتزامن مع مطالبة حزب “المساواة وديمقراطية الشعوب”، في ختام مؤتمر إداراته المحلية في ديار بكر، بإلغاء نظام الوصاية وإعادة الاعتبار إلى المجالس المنتخبة، بعدما وصف الحزب هذا النظام بأنه أداة تنتزع من المعارضة ما تمنحه لها صناديق الاقتراع.
توسيع الوصاية
وتستند تلك الاعتراضات إلى سلسلة قرارات أبعدت رؤساء بلديات منتخبين ووضعت “قائمقامين” ومحافظين مكانهم، ثم شملت بلديات “الشعب الجمهوري” عبر تحقيقات أفضت إلى توقيف 24 رئيس بلدية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024، مع بقاء معظم المفرج عنهم خارج مناصبهم.
وتأخذ الوصاية الاقتصادية مسارها عبر صندوق تأمين الودائع الذي يتولى الشركات المحالة إليه بقرارات قضائية، وإلى جانبه صندوق الثروة السيادي الذي يجمع الأصول العامة الاستراتيجية تحت إدارة قريبة من مركز الحكم، ما أدخل شركات كبرى ومصارف وقطاعات حيوية في نطاق مؤسسات تحظى برقابة برلمانية محدودة قياسًا بحجم أصولها.
وأوضح المصدر السياسي التركي، أن صندوق تأمين الودائع يختار إدارات الشركات ويراقب عقودها واستثماراتها وتوظيفها ويمتلك صلاحية بيع أصولها، ما يعطي القرار القضائي الأول أثرًا مباشرًا في ملكية الشركة ونشاطها قبل وصول القضية إلى حكم نهائي.
في حين أشار المصدر التركي إلى أن صندوق الثروة السيادي وفر للحكومة قدرة واسعة على توجيه التمويل والائتمان والاستثمار من خلال محفظة تشمل مصارف “زراعات” و”خلق” و”وقف بنك” وشركة “بوتاش” والخطوط الجوية التركية و”تورك تيليكوم” وبورصة إسطنبول، إلى جانب أصول أخرى مؤثرة في الاقتصاد.
الصناديق الحكومية تمسك بمفاصل الاقتصاد
وتوضح قوائم صندوق تأمين الودائع حجم هذا التمدد، مع وجود أكثر من ألف شركة تعمل في الإعلام والطاقة والتعليم والصحة والتعدين والتكنولوجيا والغذاء والعقارات تحت إدارته.
فيما ذكر المصدر أن تجميع هذه الأصول داخل مؤسسات مرتبطة بالسلطة التنفيذية نقل جزءًا واسعًا من القرار الاقتصادي إلى هياكل تقع خارج الإدارة الوزارية المباشرة، في وقت لا توفر فيه البيانات المنشورة معلومات كافية عن أسماء المديرين ومكافآتهم وتفاصيل البيع وإعادة الهيكلة والجهات التي تحصل على الأصول المطروحة.
ولفت إلى أن دوائر الحكم تضع البلديات الكبرى تحت متابعة خاصة بسبب ميزانياتها وشركاتها وعقودها وقدرتها على بناء شبكات محلية واسعة، وأن إسناد إدارتها إلى مسؤول حكومي يقطع الطريق أمام المعارضة لتحويل نجاحها البلدي إلى حضور سياسي على المستوى الوطني.
وأفاد بأن القضايا المرتبطة بقيادة “الشعب الجمهوري” ومؤتمراته دخلت ضمن الحسابات ذاتها، لأن استمرار النزاع القضائي يشغل قيادة الحزب بمسألة الشرعية التنظيمية ويُضعف قدرتها على استثمار التراجع المعيشي في توسيع قاعدتها السياسية.
ويعطي إخضاع شركات اللحوم البيضاء لرقابة الأوصياء الحكومة وسيلة لملاحقة المنتجين المتهمين بالتلاعب في السوق وتقديم تحرك مباشر أمام المستهلكين، ويفتح أمام الدولة قرارات الشركات وعقودها وتدفقاتها المالية في قطاع يرتبط يوميًا بكلفة المعيشة.
وصاية شاملة
كذلك، يبرز الأثر السياسي للوصاية في قطاع الإعلام، إذ يستعد صندوق تأمين الودائع لبيع قناة “تيلي 1” المعارِضة في 17 حزيران/يونيو الجاري عقب توليه إدارتها خلال التحقيق مع مالكها مردان يانارداغ، مع استمرار القضية ووجود 23 شركة إعلامية أخرى تحت إدارة الصندوق وفق أحدث الأرقام المنشورة في الصحافة التركية.
وتتجسد نتائج هذه الأدوات في ملف بلدية إسطنبول، حيث تتواصل محاكمة أكرم إمام أوغلو ومسؤولين في البلدية ضمن قضية تضم 414 متهمًا، وقد جمّد توقيفه وإبعاده عن منصبه موقعه السياسي كأبرز منافسي حزب “العدالة والتنمية” في السباق الرئاسي.
ويعكس هذا المسار تحوّلًا داخل تجربة حزب “العدالة والتنمية” الذي صعد إلى الحكم على وعد إنهاء وصاية الجيش والقضاء على السياسة، ثم كثّف خلال حكمه توظيف القضاء والإدارة والصناديق العامة في ضبط البلديات والشركات والأحزاب والمؤسسات الإعلامية.

