لم تعد المواجهة بين روسيا والغرب تقتصر على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدت إلى ما تصفه الأوساط الأمنية الغربية بـ”حرب الظل”، التي تعتمد على التخريب والهجمات السيبرانية وحملات التضليل الإعلامي لإضعاف خصوم موسكو من الداخل.

وفي هذا السياق، أكدت صحيفة “التايمز” أن  بريطانيا تواجه تصاعداً في أنشطة روسية تستهدف، بحسب مسؤولين بريطانيين، البنية التحتية الحيوية والثقة العامة والمؤسسات الديمقراطية، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى زيادة الانقسامات المجتمعية وتقليص الدعم الأوروبي لأوكرانيا.

استراتيجية تقوم على الاستنزاف الداخلي.

وترى صحيفة التايمز أن العمليات المنسوبة إلى روسيا، والتي تتراوح بين هجمات الحرق المتعمد والاختراقات الإلكترونية ونشر الأخبار المزيفة، لا تستهدف إحداث أضرار مباشرة فحسب، بل تهدف تدريجياً إلى ترسيخ شعور عام بأن مؤسسات الدولة لم تعد قادرة على أداء وظائفها، بما يؤدي إلى تآكل الثقة بالحكومة ووسائل الإعلام التقليدية.

وتشير الصحيفة إلى أن موسكو تعتبر الدول الأوروبية أطرافاً مباشرة في الحرب الأوكرانية، نظراً لما تقدمه من مساعدات عسكرية واستخباراتية ومالية لكييف، بما يشمل نحو ثلثي الميزانية الأوكرانية، وهو ما يدفع الكرملين إلى محاولة رفع الكلفة السياسية لاستمرار هذا الدعم.

وفي هذا الإطار، برزت خلال الأيام الماضية قضيتان أثارتا اهتماماً واسعاً في بريطانيا، الأولى إدانة رجلين على خلفية هجمات حرق استهدفت منازل وسيارة مرتبطة برئيس الوزراء كير ستارمر، والثانية تقارير عن إطلاق فرقاطة روسية طلقات تحذيرية قرب يخت في القنال الإنجليزي، في حوادث تعكس، بحسب التقرير، تصاعد مستوى التوتر.

أدوات مختلفة ورسائل مصممة لكل دولة.

بحسب الصحيفة، تعتمد موسكو مجموعة ثابتة من الأدوات، إلا أنها تعيد تصميم حملاتها بما يتناسب مع نقاط الضعف الخاصة بكل دولة.

ففي فرنسا، ركزت الحملات الروسية على إذكاء التوترات المرتبطة بالأقليات المسلمة، فيما كشفت السلطات الفرنسية العام الماضي عن شبكة يُشتبه بارتباطها بالاستخبارات الروسية قامت بكتابة شعارات على معابد يهودية ووضع رؤوس خنازير أمام مساجد بهدف تأجيج الانقسام المجتمعي واستغلال الصور لاحقاً في حملات دعائية.

أما في إستونيا، فتسعى موسكو إلى تصوير الأقلية الناطقة بالروسية باعتبارها تتعرض للاضطهاد، عبر محاولات للترويج لمشروع انفصالي في مدينة نارفا، وإن لم تحقق هذه الجهود نجاحاً يذكر.

وترى الصحيفة أن الحملة الموجهة ضد بريطانيا تختلف عن غيرها، إذ تستند إلى علاقة تاريخية معقدة تجمع بين الإعجاب البريطاني والخوف من النفوذ البريطاني داخل المخيلة الروسية، وهي نظرة تعود جذورها إلى القرن السادس عشر.

بريطانيا… خصم يتجاوز حجمه الحقيقي.

وتوضح “التايمز” أن روسيا تنظر إلى بريطانيا باعتبارها خصماً يفوق تأثيره حجمه الفعلي، ليس بسبب قدراتها العسكرية فقط، وإنما نتيجة دورها التقليدي في بناء التحالفات الغربية، إضافة إلى قوة أجهزتها الاستخباراتية.

وترى موسكو، وفق التقرير، أن لندن لعبت دوراً محورياً في حشد الدعم الغربي لأوكرانيا منذ عام 2022، وهو ما جعلها هدفاً رئيسياً لحملات التضليل الروسية، التي اتهمت بريطانيا بالوقوف وراء أحداث مختلفة، من هجمات إرهابية داخل روسيا إلى تعثر الجهود الأمريكية للتوصل إلى تسوية سياسية.

وفي هذا السياق، كانت مديرة وكالة الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ)، آن كيست-باتلر، قد حذرت الشهر الماضي من أن موسكو كثفت عملياتها الهادفة إلى استهداف البنية التحتية الحيوية والعمليات الديمقراطية وسلاسل الإمداد والثقة العامة داخل المملكة المتحدة.

الرهان على تعميق الانقسامات.

وترى الصحيفة أن الهدف الأهم بالنسبة للكرملين يتمثل في جعل بريطانيا أقل قدرة على إدارة شؤونها الداخلية، بما ينعكس على مكانتها الدولية ويحد من قدرتها على قيادة المواقف الأوروبية تجاه روسيا.

ومنذ استفتاء استقلال اسكتلندا عام 2014، ثم استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، أصبحت الانقسامات السياسية والاجتماعية البريطانية محوراً دائماً في الخطاب الروسي.

وتشير الصحيفة إلى أن تصاعد الاستقطاب السياسي، وصعود أحزاب جديدة، وفر لموسكو مادة خصبة لتضخيم الخلافات الداخلية عبر المنصات الرقمية، بغض النظر عن طبيعة القضية المطروحة، سواء تعلقت بالهجرة أو البيئة أو غزة أو بريكست أو السياسات الاقتصادية.

وبحسب التقرير، فإن الهدف لا يتمثل في خلق هذه الانقسامات من الصفر، وإنما تضخيمها وإعادة نشرها بصورة مستمرة بما يزيد من حالة الاستقطاب.

البحر والسيبرانية… جبهتان متوازيتان.

لا تقتصر الضغوط الروسية، وفق الصحيفة، على الفضاء الإلكتروني، بل تمتد أيضاً إلى التحركات البحرية المتكررة للسفن الروسية قرب المياه البريطانية.

وتشير التايمز إلى أن مرور سفن مثل سفينة التجسس “يانتار” أو الفرقاطة “الأدميرال غريغوروفيتش” لا يهدف فقط إلى تنفيذ مهام عملياتية، مثل مرافقة ناقلات “أسطول الظل” أو مراقبة الكابلات البحرية، وإنما يُستخدم أيضاً ضمن حملات دعائية تصور البحرية البريطانية على أنها عاجزة عن مواجهة التهديدات الروسية.

ويهدف هذا الخطاب، بحسب مسؤولين في وزارة الدفاع البريطانية نقلت عنهم الصحيفة، إلى تقليل استعداد الرأي العام البريطاني لدعم أي مواجهة أكثر حزماً مع موسكو.

الهجمات الإلكترونية تتصدر المشهد.

ورغم أن بريطانيا تعرضت لعدد أقل من الهجمات المادية مقارنة ببعض الدول الأوروبية، فإن موسكو ركزت بصورة أكبر على الهجمات الإلكترونية.

وتوضح الصحيفة أن جزءاً كبيراً من هذه العمليات تنفذه مجموعات إجرامية تعمل بصورة غير مباشرة، في ظل سماح السلطات الروسية لها بالعمل طالما كانت أهدافها غربية، دون ملاحقة قانونية داخل روسيا.

ووفقاً للمركز الوطني البريطاني للأمن السيبراني، تعاملت السلطات خلال العام الماضي مع أكثر من 200 حادث سيبراني وُصف بأنه ذو أهمية وطنية، وهو أكثر من ضعف عدد الحوادث المسجلة في العام السابق.

وشملت الهجمات شركات بريطانية كبرى مثل “ماركس آند سبنسر”و “كو-أوب”، فيما اضطرت شركة ”جاغوار لاند روفر” إلى وقف إنتاج المركبات لأكثر من أربعة أسابيع بعد تعرض شبكاتها اللوجستية لاختراق إلكتروني.

وتقدر الصحيفة أن الخسائر المالية المباشرة للحوادث السيبرانية المرتبطة بروسيا أو المشتبه بارتباطها بها قد تصل إلى نحو 2.3 مليار جنيه إسترليني خلال العام الماضي، إضافة إلى الخسائر غير المباشرة الناتجة عن تعطيل الخدمات وإضعاف ثقة المستهلكين.

الذكاء الاصطناعي يرفع مستوى التهديد.

تختتم التايمز بالإشارة إلى أن طبيعة التهديد الروسي تتطور باستمرار، مع تزايد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج الصور والمقاطع الصوتية المزيفة.

وترى الصحيفة أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال حملات التضليل من استهداف فئات واسعة من المجتمع إلى استهداف أفراد بعينهم، عبر رسائل مصممة خصيصاً لكل شخص، بما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة وتأثيرها أكثر عمقاً. 

 

وتخلص الصحيفة إلى أن الكرملين، ما دام يعتبر بريطانيا أحد أبرز خصومه في الحرب الأوكرانية، سيواصل استخدام أدوات التخريب والتضليل والانقسام باعتبارها جزءاً أساسياً من استراتيجيته لإضعاف لندن وتقليص دورها داخل التحالف الغربي.