جدول المحتوى

.

  1. جي دي فانس يختبر حظوظ النجاح
  2. مهندس الخروج من الحرب

تصدّر نائب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جي دي فانس، واجهة المشهد السياسي في الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع توصل واشنطن وطهران إلى الاتفاق على مذكرة تفاهم تمهد لانطلاق المفاوضات النووية بينهما، والتي بدأت بالفعل أمس الأحد، في منتجع برغنشتوك في الشرق السويسري. واستبق جي دي فانس قيادته المفاوضات مع إيران، للمرة الثانية، بعد مفاوضات أجراها مع الفريق الإيراني المفاوض ذاته في إسلام أباد، في إبريل/نيسان الماضي، بحملة إعلامية، دافع فيها عن المذكرة بوجه منتقديها في الولايات المتحدة، ووجّه خلالها انتقادات غير مسبوقة إلى إسرائيل، ربما بتاريخ العلاقات بينها وبين بلاده، في وقت كان يروّج لكتاب مذكراته، “المناولة”، الذي عكس بوضوح، بحسب محلّلين، رغبته في الترشح للرئاسة عام 2028. وبينما يرى بعض المتابعين، أن ترامب زجّ بفانس لقيادة هذه المفاوضات الدقيقة والصعبة، على أن يحمّله لاحقاً مسؤولية فشلها، يعتبر آخرون أن نائب الرئيس الأميركي، الذي كان منذ البداية الأقل ضمن فريق ترامب ميلاً لشنّ هذه الحرب في الشرق الأوسط، على وشك أن ترسم هذه المفاوضات مستقبله السياسي، صعوداً أو نزولاً، خصوصاً لأن عليه السير في دهاليز ليس الملف النووي والاستراتيجي المعقّد وحسب، بل حيث بات يواجه لائحة تطول من المتربصين بالاتفاق وأبطاله، وعلى رأسهم إسرائيل، واللوبي الإسرائيلي صاحب النفوذ القوي في واشنطن.

جي دي فانس، كان الأكثر تعبيراً في فريق ترامب عن رؤيته السلبية للحرب.

جي دي فانس يختبر حظوظ النجاح

وليس من المبالغة القول إن من شأن المفاوضات الأميركية الإيرانية، التي أوكل ترامب إلى نائبه قيادتها، إلى جانب المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، أن تحدّد حظوظ جي دي فانس للترشح للرئاسة بعد عامين من عدمها. وكانت الفكرة بداية، في إبريل الماضي، تدور حول أن قيادة فانس للمفاوضات، كانت تنمّ عن رغبة إيرانية بالدرجة الأولى، بعد اعتبار طهران أن ويتكوف وكوشنر، اللذين تفاوضا معها قبل الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط الماضي، نقلا معلومات خاطئة إلى ترامب، ومضلّلة، قادت إلى اندلاع الحرب. وجاء ذلك بعدما نشرت صحيفة نيويورك تايمز، أيضاً، في 7 إبريل الماضي، تقريرها المطول حول اليوم الذي قاد إلى اتخاذ ترامب قراره بشنّ الحرب، بعدما التقى مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، في 11 فبراير، وكيف أن جي دي فانس، كان ربما الأكثر تعبيراً بين فريق ترامب، عن رؤيته السلبية للحرب، خصوصاً أنه من الفئة الجمهورية الرافضة للتدخلات الأميركية في الخارج، وهو العنصر في الإدارة الأكثر قرباً من حركة ترامب “ماغا”، التي انتقدت الحرب، وأثبتت ذلك في استطلاعات الرأي.

ويصف الإعلام الأميركي اليوم، قيادة جي دي فانس لمفاوضات إيران، بأنها “مقامرة” لنائب الرئيس، ولترامب أيضاً، الذي وإن أرسل نائبه ليضعه في واجهة أي إخفاق محتمل، إلا أنه يدرك أن الأخير أخفق في أكثر من مهمة كان أوكله بها سابقاً، ومن بينها فشل حملته في المجر، دعماً لصديق ترامب الشعبوي رئيس الحكومة السابق فيكتور أوربان، الذي خسر الانتخابات التشريعية في إبريل، ثم فشل محادثاته مع إيران، في المرة الأولى، والذي قاد إلى فرض حصار بحري أميركي شديد عليها.

في المقابل، فإن جي دي فانس لم يكن ليطلق تصريحاته الحادة تجاه إسرائيل، من دون ضوء أخضر من ترامب، ما يؤكد فرضية أن الرئيس اختار أن يضع نائبه غالباً في الواجهة، لنقل أفكاره التي تراوده وقد لا يتمكن من قولها كلّها، من قبيل أن إسرائيل لا يمكنها قتل كلّ العالم للانتصار، أو أنها أصبحت معزولة، مع تعبيره عن أن دولة الاحتلال لا تمتلك ترف التمرد على حليفها الوحيد، الولايات المتحدة. ويدرك فانس مقدار الهجوم الذي سيتعرّض له نتيجة كلامه، وحجم الحملة التي ستبدأ اللوبيات اليهودية الإسرائيلية بشنها ضده، خصوصاً لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “أيباك”، التي أطلقت أصلاً هجوماً حاداً على التفاهم. وفانس، المسيحي الكاثوليكي الذي اختبر أيضاً الإلحاد بعدما نشأ في عائلة إنجيلية، لا يخفي اختلافه الأيديولوجي مع الصهيونية، في وقت يرى نفسه فعلياً القائد السياسي الرئيسي لليمين القومي الأميركي، والمحافظ بأمانة على شعار “أميركا أولاً”، ورجل سلام مقارنة بوزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يعدّ من صقور الحزب الجمهوري التقليديين، وليس أصيلاً في “ماغا”. أما وزير الحرب بيت هيغسيث، فاختار الانضمام إلى الجناح المؤيد لمواصلة الحرب على إيران، بما يتفق أيضاً مع الرغبة الإسرائيلية. أما إغلاق مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط بما يؤثر على القاعدة الشعبية للجمهوريين، فيحظيان باهتمام بالغ لدى فانس الذي يدرك حساسيتهما، باعتباره، كما يريد لصورته أن تكون، ذلك السياسي القادم إلى واشنطن من الطبقة الوسطى.

بوليتيكو: إذا أخفق فانس، فسيكون عليه أن يدافع عن حرب غير شعبية، وتفاهم غير شعبي، وتهدئة لم تدم طويلاً

مهندس الخروج من الحرب

ويمازح ترامب الصحافيين بالقول إنه “إذا نجح الاتفاق، فسيكون الفضل لي، أما إذا أخفق، فسيُلام جي دي”. إلا أن منتقدي الاتفاق باتوا منذ اليوم يحمّلون فانس مسؤوليته، ويعتبرون أنه “مهندسه”، أو مهندس طريق الخروج من الحرب، وتوعد السيناتور المتشدّد ضد إيران والداعم بشدّة لإسرائيل، ليندسي غراهام، بإجبار فانس على عرض أي اتفاق على الكونغرس.
أما في البيت الأبيض، فيقول مصدر مقرب من ترامب لوكالة رويترز، أول من أمس السبت، إن خطوة زجّ فانس في المفاوضات “تتناسب مع نمط ترامب في إدارة حكومته وأعضاء فريقه خلال ولايته الثانية، هو يعرف ماذا يفعل، إنه حرفياً يجري اختبار أداء في الوقت الفعلي”.

ولكن بحسب موقع بوليتيكو، في تقرير نشره في 18 يونيو/حزيران الحالي، فإن الأمور إن سارت جيداً في المفاوضات، فسيكون لفانس دور أساسي في التوصل إلى اتفاق من شأنه أن ينهي طموح إيران النووي ويفتح الباب أمام عودة انتعاش الاقتصاد. أما إذا أخفق، فسيكون عليه أن يدافع في الوقت ذاته عن حرب غير شعبية، وتفاهم غير شعبي، وتهدئة لم تدم طويلاً. ويقول حليف لفانس من خارج الإدارة، لـ”بوليتيكو”، إنه “وضع صعب، لكنه هكذا. هو (فانس) الوجه العام لكل ذلك. خصومه السياسيون يحاولون تصعيب الأمور عليه: إذا مات إسرائيلي واحد، فسيكون ذلك بسبب جي دي فانس”. وبنظر بعض مؤيديه، فإن دوره الحالي يبقى الأفضل من بين الخيارات السيئة المتاحة أمامه، فهو كان مشكّكاً في جدوى الحرب، وفي الوقت ذاته، الأكثر تضرراً سياسياً، إذا ما أصحبت الولايات المتحدة مجدداً منخرطة في مستنقع حرب أبدية.

في إحدى مقابلاته الإعلامية الأسبوع الماضي، ردّ جي دي فانس على أسئلة كثيرة حول إيران، والاقتصاد، بقوله: “لنضع ذلك جانباً، أنا هنا لأسوّق كتابي. يجب أن نبيع الكتاب”. يراهن نائب ترامب بأنه مع نهاية هذا العام، سيكون الاتفاق الإيراني مكتملاً، والاقتصاد الأميركي منتعشاً، والأوضاع في أحسن حال. عندها، سيتشاور مع زوجته أوشا بشأن ترشحه للرئاسة، علماً أنه أكد أخيراً أن ترامب “يدعمه”. هذا السيناريو الوردي، بعد عام مظلم في هرمز، أكثر ما يحلم به جي دي فانس، الذي رأت فيه “نيويورك تايمز” أخيراً، بعد الاطلاع على مذكراته، سياسياً براغماتياً، يبحث عن نفسه ومصلحته، في خضم عالم السياسة الأميركي المتشعب. علماً أن هذا السيناريو ليس محسوماً، خصوصاً أن عملية شيطنة جي دي فانس، انطلقت في واشنطن.