جدول المحتوى

.

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي.

في السابع من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي (2025)، دعا وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث كبار قادة البنتاغون ومسؤولي صناعة السلاح في الولايات المتحدة، إلى لقاء في كلية الحرب الوطنية في العاصمة واشنطن. في خطاب استمر أكثر من ساعة، أطلق عليه اسم “ترسانة الحرية”، أعلن هيغسيث ما بدا أنه أهم التحولات في فلسفة التسلح الأمريكي منذ عقود، معلنا أن الأساليب القديمة قد ماتت وانتهت بغير رجعة.

لخص هيغسيث التحول الذي يصفه بالقول إنه نظام “يركز على احتياجات القوات في الميدان، وتسريع إدخال القدرات الجديدة للخدمة بدلاً من التركيز على سلامة الإجراءات البيروقراطية”. وتوجه الوزير الأمريكي لمسؤولي الصناعات العسكرية قائلا: “النظام القديم قد مات؛ إما التأقلم أو الزوال”.

اقرأ أيضا

list of 2 items.

* list 1 of 2 قنبلة تولسي غابارد.. هل خلقت أمريكا فيروس كورونا ونشرته للعالم؟

* list 2 of 2 “عودة الكارتاز”.. خطة
إيران لمضيق هرمز بعد الحرب end of list.

كان هيغسيث يشير تحديدا إلى الطريقة التي يشتري بها البنتاغون الأسلحة التي يحتاجها الجيش الأمريكي، بداية من تحديد الأسلحة المطلوبة، وتوفير الموارد المالية اللازمة، والعمل على اختبار تلك الأسلحة، والتعاقد مع الشركة المنتجة، في عملية بيروقراطية معقدة ازدادت تعقيدا على مر السنين.

بالتأكيد فإن الولايات المتحدة لا تشكو ضعفا عسكريا، فهي أقوى دولة في العالم وتمتلك أقوى جيش فيه، فضلا عن أكثر الأسلحة فتكا في التاريخ البشري، لكن الأمر يتعلق بالطريقة التي تعمل بها الصناعات العسكرية الأمريكية، والتي باتت -من وجهة نظر الكثيرين- لا تتفق والتغيرات الحاصلة في العالم. لقد ازدهرت الصناعات العسكرية الأمريكية في زمن مختلف تماما، خاصة إبان الحرب الباردة، وقت أن كان هناك عدو متقدم تقنيا وعسكريا؛ هو الاتحاد السوفياتي، ولذلك اتجهت الصناعة العسكرية الأمريكية إلى تطوير أسلحة فائقة، تضمن التفوق الكامل في مواجهة السوفيات، مثل المقاتلات الشبحية وحاملات الطائرات بالإضافة إلى ترسانة الأسلحة النووية.

“ازدهرت الصناعات العسكرية الأمريكية في زمن مختلف تماما، تحديدا خلال الحرب الباردة التي حفزت تطوير أسلحة فائقة للتفوق على السوفيات”.

انهار الاتحاد السوفياتي، وتحررت الولايات المتحدة من الهواجس وانفردت بقيادة العالم، وفي تلك الفترة بدأت تواجه خصوما لا يمتلكون التفوق العسكري نفسه، مثل إيران وعراق صدام حسين، وأحيانا كانوا يفتقدون للقوات النظامية ويخوضون حروبا غير تقليدية، مثل طالبان في أفغانستان وتنظيم القاعدة في العراق. وحينئذ لم تكن ثمة حاجة ملحة لإدخال إصلاحات على طريقة التسلح أو اقتناء الأسلحة.

ناهيك أن الولايات المتحدة كانت تتبع إستراتيجية “الصدمة والترويع” أو الهيمنة السريعة، عن طريق توجيه ضربة سريعة لقيادة العدو ومراكز التحكم، بحيث يتداعى الجسد حين تُضرب الرأس، ومن ثم يمكن للولايات المتحدة أن تسيطر على الميدان ويفقد العدو قدرته على التنسيق والمناورة، مثلما فعلت واشنطن في العراق عام 2003، وهي ذات الإستراتيجية التي حاولت اتباعها في الحرب الأخيرة مع إيران، لكنها لم تحقق النجاح نفسه.

“كشفت حروب العالم الجديد نقاط الضعف الكامنة في تسليح أمريكا وصناعتها العسكرية: سلاح فائق لكنه مكلف وبطيء في تطويره، وقليل في عدده بحيث يصعب تعويضه في الحروب الطويلة”

في نهاية المطاف، جرت مياه كثيرة في أراضي الحروب، ولم يعد العالم كما هو، وأتى صعود الصين وعودة التهديد الروسي مع حرب أوكرانيا، وازدهرت المسيرات والصواريخ الباليستية الرخيصة، والحروب السيبرانية والذكاء الاصطناعي. تلك العوامل، وما صاحبها من تغير في نمط الحروب التي بدأت تدور حول المرونة والتكيف والسرعة والإنتاج الكثيف والقدرة على تحمل حرب طويلة؛ وهو ما كشف عن نقاط الضعف الكامنة في تسليح أمريكا وصناعتها العسكرية: “سلاح فائق لكنه مكلف للغاية وبطيء في تطويره”، والأهم أنه قليل في عدده بحيث يصعب تعويضه وإنتاجه بكثرة في زمن الحرب المكثفة والطويلة.

مصدر الصورة
وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث (الفرنسية).

عقدة البيروقراطية

قبل أربعة أشهر من خطاب هيغسيث، أشار تقرير مكتب المحاسبة الحكومي (GAO) إلى أن متوسط السنوات المطلوبة لتسليم النسخة الأولى من أي سلاح جديد للبنتاغون من قبل الشركات التي تم التعاقد معها يصل إلى نحو 12 عاما، وهي مدة طويلة في زمن يتغير فيه العالم بسرعة، وألقى المكتب باللائمة على “التعقيدات البيروقراطية” التي اعتبرها مسؤولة عن ذلك الجمود.

لفهم عمق هذه المشكلة وتأثيرها من المفيد النظر إلى الصين، التي تعدها الولايات المتحدة خصمها الرئيسي. وفقا لتقرير لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) فإن قاعدة الصناعة العسكرية الصينية تسير بوتيرة “زمن الحرب”، أي أنها تنتج السلاح وكأنها في حالة تعبئة عسكرية، ما يعني أن جيش التحرير الشعبي يحوز احتياجاته من الأسلحة بسرعة تفوق الولايات المتحدة بمعدل من خمس إلى ست مرات، كما أن طاقتها في بناء السفن تفوق القدرة الأمريكية بنحو 230 مرة. التفوق الصيني هنا ليس فقط في حجم السلاح أو كفاءته (لا تزال الولايات المتحدة تتفوق في هذه المعايير)، بل في سرعة تحويل المال والقرار السياسي إلى دبابات وسفن وصواريخ وذخائر جاهزة.

يشير وزير الحرب الأمريكي بأصابع الاتهام في هذه الفجوة إلى نظام تحديد المتطلبات العسكرية المعروف باسم “نظام تكامل وتطوير القدرات المشتركة” (JCIDS)، وهو الطريقة التي يحدد بها البنتاغون الأسلحة التي يحتاجها. وقد نشأ النظام رسميًا عام 1991، وتم تعديل اسمه عام 2004، ولا يزال يعاند التغيير منذ ذلك الحين، بعدما فشلت محاولات عديدة لإصلاحه.

“يحصل الجيش الصيني على احتياجاته من الأسلحة بسرعة تفوق الولايات المتحدة بمعدل من خمس إلى ست مرات”.

للمفارقة، نشأ النظام أصلا لتوفير الوقت والجهد، وتقوم فكرته على أن يقوم “عقل مركزي” بتحديد المتطلبات بالتنسيق بين أفرع القوات المسلحة المختلفة، فلا يسعى كل فرع إلى تطوير أسلحته، بل يختار البنتاغون تلك الأسلحة ذات الأولوية والتي تخدم أكثر من فرع في وقت واحد. ولكن النظام تحول بمرور الوقت إلى طبقة من الإجراءات البيروقراطية الجامدة. لقد أصبح نظام الاستحواذ المسؤول الأول عن هشاشة القاعدة الصناعية وسلاسل إمداد الجيش، والتي تؤدي إلى حصوله على “تكنولوجيا الأمس بأسعار الأسبوع المقبل” على حد تعبير المُحاضِر في جامعة جونز هوبكنز روب موراي.

في عام 2018 أشارت إستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية إلى أن هذا النظام بات يركز على الدقة المتناهية وتقليل المخاطر قبل أي شيء آخر، الأمر الذي يجعله بطيء الاستجابة. وهي مشكلة أشار إليها هيغسيث صراحة في خطابه، مشيرا إلى أن عملية تحديد المتطلبات “تسير بسرعة الورق وليس سرعة الحرب”. وفي تقرير للجنة الإستراتيجية الوطنية المشكلة من الكونغرس بخصوص إستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2022، ورد “أن الإنتاج الصناعي الأمريكي غير كاف بشكل كبير لتوفير المعدات والتقنيات والذخائر اللازمة اليوم، ناهيك بمتطلبات صراع القوى العظمى”.

مصدر الصورة
ازدهرت المسيرات والصواريخ الباليستية الرخيصة في حروب اليوم (الجيش الأمريكي).

أكبر من مجرد مشكلة واحدة

ما الحل المطروح إذن؟ بعض الباحثين المحافظين مثل بيل غرينوالت ودان بات من معهد هدسون، يرون أن النظام القائم يجب أن يُفكك بالكامل، مشيرين إلى أن بعض الطلبات تحتاج إلى سنتين لمجرد الموافقة عليها، وأن كبار الموظفين يخشون من تحمل المسؤولية، فيلقونها على الآخرين ضمن دوائر البيروقراطية. وفي مقال آخر أشار دان بات وبريان كلارك إلى أن النظام الذي يعود إلى الحقبة السوفياتية يعمل على توقع المستقبل بدلاً من أن يركز على الواقع، ويدعوان إلى نموذج يتلقى تصحيحات من الميدان على المشكلات التشغيلية بحيث يخضع للتعديل باستمرار.

وبحسب جون فايلر في موقع “نيكست غوف” فإن هناك مشكلة إضافية في نظام الاقتناء الحالي، وهي أن عددا من القائمين على البرامج الفاشلة يستمرون في الحصول على الأرباح من جهود إصلاح هذا الفشل؛ ما يخلق تضاربا واضحا في المصالح. ويرى أيضا أن أحد أسباب المشكلة أن وزارة الحرب لا تزال تضع تصميمات معقدة تؤدي إلى حبس البرامج في تصاميم متقادمة بسبب الاطلاع المحدود على التقنيات الأحدث المتاحة في القطاع التجاري، خارج قطاع الصناعات الدفاعية التقليدي.

بالمثل، يرى هوجو هولو بينين من معهد تكنولوجيا البنية التحتية الحيوية (ICIT) أن المشكلة أكثر تعقيدا من اختزالها في البيروقراطية. وتورد شهادة وكيل وزارة الدفاع لشؤون المشتريات التي أشار خلالها إلى أن هناك نحو 400 ألف وظيفة شاغرة في الصناعة العسكرية كما أكد الحاجة إلى 4 ملايين وظيفة في العقد المقبل. علاوة على مشكلة الاعتماد على شبكة توريد عالمية يصل حجمها إلى نحو 200 ألف مورد عبر العالم.

“تعتمد الصناعة العسكرية الأمريكية على شبكة توريد عالمية يصل حجمها إلى نحو 200 ألف مورد عبر العالم”.

على إثر خطاب وزير الحرب، بدأ البنتاغون في اتخاذ إجراءات عملية لتفكيك النظام الحالي بداية من اسمه الذي تغير من “نظام الاقتناء الدفاعي” إلى “نظام الاقتناء الحربي” تماشيا مع الاسم الجديد لوزارة الحرب. وفي المضمون تتمحور معظم الإصلاحات المدخلة حول السرعة، على سبيل المثال، بدلا من أن يتلقى مسؤولو البنتاغون طلبات الأسلحة، سيكون على أفرع القوات المسلحة أن تتقدم بالمشكلات التشغيلية التي تحدث في الميدان فعليا، وستُحذف طبقات من المراجعة في المستويات الدنيا، على أن تتم الاستعانة بالمصنعين في وقت مبكر لأغراض الاختبار والتجريب بدلاً من الانتظار حتى تمام التصميم النهائي ومن ثم البدء في التنفيذ.

وسوف تقتصر مهمة مجلس مراقبة المتطلبات (JROC) والذي يعد القلب النابض للنظام القديم على وضع قائمة بالمشكلات التشغيلية ومراقبة الاتجاهات العالمية، على أن يكون تحديد المتطلبات من جانب الأفرع نفسها. وقد أنشأ البنتاغون أيضا مجلس المتطلبات والموارد التي ستكون مهمته تحديد المشكلات التشغيلية الأولى وتحديد التمويل المناسب مع كل موازنة عامة للبنتاغون.

مصدر الصورة
المقاتلة إف-22 رابتور (غيتي).

البحث عن سلاح ممتاز بعد فوات الأوان

ثمة مشكلة أخرى لا تقل خطورة عن البيروقراطية، هي “البحث عن الكمال”. فالمنظومات الأمريكية الكبرى صُممت لفترة طويلة وفق منطق يرمي إلى إنتاج سلاح شديد التعقيد، قليل الأخطاء، عالي القدرة، ومجهز للتفوق الساحق. لكن هذا المنطق نفسه صار عبئا حين أصبح الزمن عنصرا حاسما في القيمة الإستراتيجية للسلاح. كلما تعقد السلاح، زادت اختباراته، وتشابكت مكوناته، وارتفعت احتمالات التأخير، وتعقدت صيانته، وصار أي تعديل صغير في أحد أجزائه بحاجة إلى وقت طويل لضمان التوافق مع باقي الأجزاء.

وهكذا قد يصل البرنامج، بعد سنوات من التطوير والاختبار والإنفاق، إلى لحظة التنفيذ الفعلي وقد فقد جزءا من قيمته الإستراتيجية أصلا. فالسلاح الذي صُمم لمواجهة نمط قتال معين قد يدخل الخدمة في عالم تغيّر بالفعل. ولعل مقاتلة “إف-22 رابتور” من أبرز الأمثلة على ذلك. فقد بدأ التفكير فيها في ثمانينيات القرن العشرين، وخاضت أول رحلة في 1997، ودخلت الخدمة الفعلية في 2005.

بالتأكيد تعد المقاتلة قطعة جوية متفوقة ومذهلة، لكنها تكشف في الوقت نفسه وجها من أزمة النموذج الأمريكي: فقد صُممت في الأصل لتأمين تفوق جوي ساحق في مواجهة السوفيات، لكن الاتحاد السوفياتي انهار قبل دخولها الخدمة. في نهاية المطاف أنتج منها فقط 187 قطعة بعد تكلفة إجمالية للمشروع بلغت 70 مليار دولار.

“صُممت المقاتلة إف-22 رابتور لتأمين تفوق جوي ساحق ضد السوفيات، لكن الاتحاد السوفياتي انهار قبل دخولها الخدمة”.

وهكذا ظهر إلى النور سلاح شديد التطور، بالغ الكلفة، ومعقد للغاية، لكنه دخل العالم متأخرا بعد زوال سببه الأصلي، وفي لحظة كانت الولايات المتحدة تخوض فيها حروبا ضد خصوم لا يملكون أصلا قوات جوية مماثلة. وهنا تظهر المفارقة: التفوق المطلق قد يصل متأخرا إلى حد يفقد معه جزءا من جدواه السياسية والإستراتيجية. أحد النماذج الصارخة الأخرى التي تظهر بجلاء معضلات نموذج الإنتاج الأمريكي وتدل على الارتفاع الجنوني في التكلفة والذي أدى في نهاية المطاف إلى فشل المشروع هو مشروع المدمرة فئة “زوموالت” التي كانت مشروعا طموحا لبناء مدمرات تحل محل فئة “آرلي بيرك”

كان من المخطط بناء 32 مدمرة ولكن في نهاية المطاف لم يكن هناك سوى ثلاث مدمرات وبتكلفة إجمالية 24 مليار دولار، بمعدل 8 مليارات دولار للمدمرة الواحدة؛ الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع. كانت الميزة الرئيسية للمدمرة تتمحور أساسًا في قدرتها على التخفي، أي أن تكون مدمرة شبحية تظهر كقارب صيد صغير على الرادارات، ولكن في وقت تطويرها تطورت بالمقابل قدرات الرصد الراداري التي جعلت من هذا الهدف مستحيل التحقق، لأن المدمرة مصممة أصلا لمهاجمة مواقع على الشاطئ.

مصدر الصورة
“يو إس إس ليندون جونسون” المدمرة الثالثة والأخيرة من فئة زوموالت (أسوشيتد برس).

نبوءة أيزنهاور

في خطابه الوداعي في 17 يناير/كانون الثاني 1961، حذر الرئيس الأمريكي أيزنهاور من النفوذ غير المبرر لما أطلق عليه “المجمع الصناعي العسكري”. الرجل الذي يعتبر من أبرز القادة العسكريين في التاريخ الأمريكي الحديث، والذي قاد الحملة لتحرير أوروبا من النازية قال ذات يوم: “يجب أن نحذر من اكتساب نفوذ غير مبرر، من قبل المجمع العسكري الأمريكي، سواء كان ذلك بقصد أو بدون قصد”؛ كان أيزنهاور يشير إلى تحالف محتمل بين الجيش وشركات الأسلحة يمكن أن يقوض الديمقراطية الأمريكية.

“حذر أيزنهاور من أن تحالفا محتملا بين الجيش وشركات الأسلحة يمكنه أن يقوض الديمقراطية الأمريكية”.

اليوم يبدو هذا الشبح أكثر حضورا من أي وقت مضى. فصناعة السلاح الأمريكية باتت شديدة التركّز؛ عدد محدود من الشركات الكبرى يسيطر على معظم القطاع. منذ تسعينيات القرن العشرين انخفض عدد مزودي الأسلحة الكبار لدى البنتاغون من 51 إلى 5 فقط، وهؤلاء الخمسة يسيطرون على نحو 74% من الصناعة.

ومع هذا التركّز، يضعف موقع الحكومة التفاوضي، لأن البدائل تقل، ولأن الشركة التي تصنع المنظومة غالبا ما تصبح هي نفسها الأقدر على صيانتها، وتحديثها، وتوفير قطع غيارها، بحكم امتلاكها المعرفة الفنية والملكية التقنية. وهكذا لا تبيعك الشركة السلاح فقط، بل تصنع منظومة تعتمد عليها بشكل كامل.

مصدر الصورة
الرئيس الأمريكي الأسبق أيزنهاور (غيتي).

حين نقلت رويترز، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عن وزير الجيش الأمريكي دانيال ديريسكول (يختص بشؤون القوات البرية – تحت سلطة وزير الحرب) القول إن شركات الدفاع الكبرى “خدعت” الجيش الأمريكي لشراء معدات باهظة الثمن، في حين كانت هناك خيارات تجارية أرخص متاحة” لم يكن المقصود مجرد فرقعة إعلامية ولكنه كان حديثا عن مشكلة حقيقية تماما.

على سبيل المثال، سبق أن أكد الجيش أن مقبض التحكم الخاص بشاشة مروحية بلاك هوك يتم توفيره من قبل شركة لوكوهيد مارتن مقابل 47 ألف دولار، بينما يمكن تصنيعه تجاريا بكلفة زهيدة جدا لا تتجاوز 15 دولارا. وفي عام 2024، كشف تقرير صادر عن مكتب المفتش العام لوزارة الدفاع أن الوزارة تدفع لشركة بوينغ أسعار موزعات صابون الحمامات في طائرات “سي-17” العسكرية بأكثر من 80 ضعف قيمتها التجارية، ما خلق نفقات إضافية تعادل 150 ألف دولار في هذا البند وحده. وبالمثل، دفعت الوزارة ثمن “البراغي” اللولبية للشركة نفسها مضاعفا 100 مرة على الأقل مقارنة بسعر السوق.

“مقبض التحكم الخاص بشاشة مروحية بلاك هوك توفره شركة لوكوهيد مارتن مقابل 47 ألف دولار، بينما سعره التجاري لا يتجاوز 15 دولارا”.

تكشف هذه الفجوة المكلفة أن الاحتكار، وتعقد العقود، وسيطرة الشركات الكبرى على المعرفة الفنية، كل ذلك يجعل الدولة نفسها، رغم ضخامتها، عرضة لكلفة متضخمة، ويضعف قدرتها على فرض شروطها. والأهم أن طول فترات التطوير والاختبار، وإعادة التقييم المستمرة، والتضخم، وتعديل المواصفات، كل ذلك يرفع الكلفة أكثر فأكثر.

وهكذا، تصبح برامج التسليح باهظة لا فقط لأنها متقدمة، بل لأنها تعمل داخل بيئة مؤسسية واقتصادية ترفع السعر باستمرار، وقد تسبب هذا النظام، إضافة إلى معدلات التضخم في ارتفاع كلفة برامج التسليح بـ 49 مليار دولار (توزعت على 30 برنامجا مختلفا) في عام 2024 مقارنة بالتقديرات الأولية. لذلك فإن أحد أهم التدابير التي ينوي البنتاغون اتخاذها في قابل الأيام المقبلة هو فصل الصيانة عن التصنيع بحيث لا يتقيد البنتاغون بعقود تشمل الصناعة والصيانة معا، ما يسمح للجيش بصيانة أسلحته بنفسه.

الصين خصم لا يكرر التجربة السوفياتية

مع كل تلك المشكلات تصبح أعداد قطع الأسلحة المنتجة قليلة، وهو وضع لم يعد يلائم الواقع العالمي الحالي الذي تُستهلك فيه الأسلحة والذخيرة بكميات مهولة في وقت قصير. مثال على ذلك هو منظومة الدفاع الجوي عالي الارتفاع (ثاد) التي خرجت من العديد من وحداتها من الخدمة بسبب استهداف راداراتها خلال الحرب الإيرانية. تصل قيمة الرادار في هذه المنظومة إلى 500 مليون دولار، وبالتالي فهي حساسة جدا للخسارة فضلا عن كونها صعبة الإحلال. كما أن صواريخ المنظومة نفسها باهظة جدا، حيث تبلغ تكلفة الصاروخ الواحد نحو 12 مليون دولار، وتنتج شركة لوكوهيد حاليا 90 صاروخا فقط في العام، مع خطط لرفع الإنتاج إلى 400 صاروخ مستقبلا.

تخيل أن وضعا كهذا يحدث في وقت تخوض فيه الولايات المتحدة صراعًا كبيرا مع دولة تمتلك سلاح جو فعال أو قوة صاروخية أكثر فتكا، وستكتشف أن واشنطن ستكون في وضع حرج جدا إذا استمر الصراع لأسابيع. في وضع كهذا، لا يكون العامل الحاسم هو امتلاك السلاح الأقوى والأكثر كفاءة، ولكن إنتاج السلاح “المناسب” بعدد كاف في وقت مناسب. وعند الحديث عن مشكلة الكم لا بد وألا نغفل التجربة الصينية في إنتاج السفن مزدوجة الغرض وهي سفن تجارية يمكن تعديلها لتصبح سفنًا عسكرية أي أنها تخدم الغرضين معا. وتتفوق الصين على الولايات المتحدة بنحو 230 ضعفا من حيث القدرة على إنتاج السفن وسرعة إنزالها إلى البحر.

تتفوق الصين على الولايات المتحدة بنحو 230 ضعفا من حيث القدرة على إنتاج السفن وسرعة إنزالها إلى البحر (الفرنسية).

وبالنظر إلى الصين تحديدا، يمكننا أن نلمس مشكلة أخرى تعاني منها الصناعة الأمريكية وهي الاعتماد المفرط على مزودي خدمة خارجيين، سلع مثل البطاريات والإلكترونيات الدقيقة التي تحتاجها الولايات المتحدة تعتمد فيها الاستيراد الأمر الذي يجعلها رهينة حركة الشحن ورهينة الحروب التجارية التي قد تتسبب في عرقلة جهودها الحربية.

على الجهة المقابلة، اتبعت الصين إستراتيجية مختلفة عن الأمريكية أو حتى السوفياتية، لقد دمجت الصين قطاعيها التجاري والعسكري معا، في إطار من الاعتماد المتبادل. وتستثمر الدولة الصينية الآن في قطاعات مدنية كبيرة، وتدمج منتجاتها في قدراتها العسكرية، على شاكلة الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، والنظم غير المأهولة، ونظم الأمن السيبراني وغيرها من القطاعات المؤثرة.

لذلك، ولحل مشكلة الكم اتجهت الولايات المتحدة نحو “الكتلة الممكنة”، أو إنتاج أسلحة بشكل مكثف بتكلفة زهيدة، كما يفعل خصومها في الصين وإيران، وكما تفعل أوكرانيا أيضا في حربها مع روسيا. رغم أن ذلك لا يعني تخلي الولايات المتحدة عن برامجها للسلاح الخارق أو المنصات المعقدة، التي تظل جزءا من منظومة التسلح الأمريكية.

“تتجه أمريكا جزئيا نحو سياسة الكتلة الممكنة، التي تشمل إنتاج أسلحة بشكل مكثف بتكلفة زهيدة، كما يفعل خصومها في الصين وإيران”.

تعد المسيرة لوكاس التي دخلت الخدمة إبان الحرب الأخيرة مع إيران مثالا على هذا التوجه. لوكاس مسيرة رخيصة أُنتجت عبر الهندسة العكسية للمسيرة الانتحارية الإيرانية شاهد، التي مثلت تحديا لنظم الدفاع الجوية الغربية. في هذا السياق، بين ماكنالي في موقع “وور أون ذا روكس” أن القوات الجوية الأمريكية لا تملك بديلا عن الاستعانة بالطائرات المقاتلة غير المأهولة، والتي تعد تطبيقًا لمبدأ “الإنتاج الكمي منخفض التكلفة”.

ويرى ماكنالي أن مشروعا مثل “الاشتباك الجوي الجماعي” الذي يضم طائرات مقاتلة إلى جانب سرب من الطائرات غير المقاتلة هو تطبيق لهذا المبدأ. ويشير أيضا إلى “مشروع القذيفة البعيدة”، وهو أحد مشروعات وكالة الأبحاث الدفاعية المتقدمة (داربا)، يستهدف تطوير مسيّرات تنطلق من منصات طائرة وتستطيع حمل صواريخ جو-جو، كأحد تجليات هذه العقيدة الجديدة.

وهناك أيضا برنامج الذخيرة الهجومية بعيدة المدى (Eram)، والذي يشمل عددا من الصواريخ الصغيرة، مثل “إيه جي إم-188 إيه – راستي” داغر (الخنجر الصدئ)، و”إيه جي إم-189 إيه”، وهي صواريخ كروز بعيدة المدى بوزن صغير. وكان البنتاغون قد أعلن العام الماضي الموافقة على بيع عدد 3350 صاروخا من هذا النوع لأوكرانيا بقيمة بلغت 825 مليون دولار، الأمر الذي يجعل ثمن الصاروخ الواحد نحو 250 ألف دولار، وهو أقل بكثير من الصواريخ الأمريكية الأخرى المناظرة.

تواجه الولايات المتحدة عالما مختلفا عن العالم الذي انفردت بقيادته (أسوشيتد برس).

ختاما، عند الحديث عن المشكلات التي تعاني منها صناعة الأسلحة الأمريكية يجب علينا أولا ألا نقع في فخ التقليل من القوة الأمريكية، فلا تزال الولايات المتحدة هي القوة العسكرية الأعلى شأنا على وجه الأرض ولا تزال تمتلك التقنيات الأعقد والأسلحة الأكثر فتكا. لكن يتعين علينا في الوقت نفسه ألا نقع في الوهم المضاد القائل بأن الولايات المتحدة لا تواجه مشكلات عسكرية حقيقية أو أن خصومها غير قادرين على إيلامها.

الحقيقة أن أمريكا تختبر اليوم عالما مختلفا غير ذلك العالم الذي انفردت بقيادته، يتميز بظهور منافسين أكثر جرأة، وهو ما يزيد أهمية جهود إصلاح الجيش والمجمع العسكري الصناعي. لكن نجاح واشنطن في مهمتها يتطلب أكثر بكثير من إصلاح البيروقراطية أو تغيير نظام المشتريات الدفاعية. هذه المهمة تحديدا سوف يتوقف عليها مستقبل القوة الأمريكية، وإذا ما كانت الإمبراطورية ستواصل هيمنتها المنفردة على العالم أم ستتجه تدريجيا إلى الانزواء والأفول.