جدول المحتوى
.
أعادت حرب إيران واضطراب الملاحة في مضيق هرمز خطوط الأنابيب إلى قلب النقاش حول أمن الطاقة. فحين تصبح الممرات البحرية الحساسة عرضة للإغلاق أو التعطيل، تبدو البنية التحتية البرية بديلاً منطقياً لتأمين تدفقات النفط والغاز بعيداً عن نقاط الاختناق.
لكن محاولة المغرب والجزائر إحياء خطّي أنابيب متنافسين لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا تقدم مثالاً على أن الرهان على البنية التحتية البريّة ليس من دون تحديات. فالمشروعات التي تتفادى مخاطر البحر قد تقع في مخاطر أخرى لا تقل تعقيداً: مسارات تمتد آلاف الكيلومترات، دول عبور متعددة، تهديدات أمنية، نزاعات جيوسياسية، وتمويل قد لا يتوافر من دون عقود شراء طويلة الأجل.
عاد المشروعان إلى الواجهة للسبب نفسه: تعويض الإمدادات المفقودة في أوروبا مع الانخفاض الحاد في تدفقات الغاز الروسي عبر الأنابيب بعد غزو أوكرانيا في 2022، وتعطّل الملاحة عبر مضيق هرمز الذي امتد لأكثر من ثلاثة أشهر جراء الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران، وهو ما قلّص إمدادات الغاز المسال القطري الذي كان قد سدّ جزءاً من الفجوة الناجمة عن تراجع إمدادات الغاز الروسي.
لكن عدداً من خبراء أسواق الطاقة يرون أن الخيار الأجدى لنيجيريا قد يكون تصديره بحراً، على شكل غاز طبيعي مسال يُشحن على ناقلات إلى من يدفع السعر الأعلى، بدلاً من تقييده بمسارات ثابتة ومكلفة عبر مناطق مضطربة.
كما أن بداية تعافي حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وعودة الغاز المسال القطري تدريجياً “يشكل عاملا يقلص من جاذبية المشروعين الذين يواجهان أساسا العديد من العقبات ومنها تحصيل اتفاقيات بيع في أوروبا تمكن الجهات الراعية من جمع المليارات اللازمة للشروع بالتنفيذ” بحسب رفيق لاتا، مراسل شؤون أفريقيا في نشرة «إنرجي إنتليجنس»، .
خطوة الجزائر
بينما كان النزاع مستعراً في الخليج، وضعت الجزائر، التي تملك ثاني أكبر احتياطيات غاز في أفريقيا بعد نيجيريا، حجر الأساس لتشييد الخط العابر لأراضيها في الصحراء، عقب اجتماع في الجزائر العاصمة حضره وزراء طاقة الجزائر ونيجيريا والنيجر مطلع يونيو.
وصُمّم الخط المعروف بالأنبوب العابر للصحراء، والذي يتجاوز طوله 4000 كيلومتر، لنقل ما يصل إلى 30 مليار متر مكعب سنوياً من نيجيريا عبر النيجر إلى الساحل المتوسطي للجزائر، بتكلفة تُقدّرب13 مليار دولار كحد أدنى، بحسب شركة الاستشارات البريطانية “بينسبين” المعتمدة للمشروع من قبل الدول المشاركة.
ومن المزمع أن يعبر الغاز إلى أوروبا عبر خطوط التصدير الجزائرية القائمة — ترانسميد إلى إيطاليا، وميدغاز إلى إسبانيا — أو يُبرد لنقله على متن الناقلات على شكل غاز مسال.
كان المشروع قد تعثّر لسنوات بفعل عدم الاستقرار الإقليمي، وجاء الزخم الأخير بعد أن فتحت زيارة زعيم النيجر عبد الرحمن تياني إلى الجزائر في فبراير إمكانية مرور الأنبوب في بلاده.
الخط المغربي
أما الخط المنافس، المعروف باسم خط أنابيب الغاز الأطلسي الأفريقي، فيصل نيجيريا بالمغرب، وهو في الواقع امتداد كبير لخط أنابيب غرب أفريقيا القائم من نيجيريا إلى غانا.
ومع امتداده إلى المغرب، عبر السنغال وموريتانيا وبلاد أخرى، سيناهز 7000 كيلومتر تقريباً، يطمح المشروع إلى نقل نحو 30 مليار متر مكعب سنوياً، يُخصّص نصفها لاستهلاك الدول الـ13 الواقعة طول المسار، بما فيها المغرب، والباقي للتصدير إلى أوروبا عبر خط أنابيب المغرب العربي-أوروبا القائم.
وتُقدَّر تكلفة هذه المنشأة بنحو 25 مليار دولار، بحسب المؤسسات الراعية له وهي المكتب الوطني للهيدروكربونات والمعادن في المغرب وشركة النفط الوطنية النيجيرية.
عقبات مختلفة
غير أن محللين متخصصين في أسواق الغاز يرون أن عقبات أمنية واقتصادية وجيوسياسية كبيرة تعترض تنفيذ هذين المشروعين.
ويشير لاتا إلى “مجموعة متنوعة من المصادر الأخرى التي تبدو أكثر جاذبية لأوروبا، وعلى رأسها الغاز الطبيعي المسال، سواء كان من الولايات المتحدة أو من مشاريع جديدة في أفريقيا، بما في ذلك نيجيريا وموزمبيق، خاصة بعد ظهور بوادر حل بين إيران وأمريكا الذي يعيد صادرات الغاز القطري إلى الأسواق، وعدم استبعاد عودة الغاز الروسي، وهو الأقل كلفة لأوروبا” عندما تضع الحرب في أوكرانيا أوزارها.
من جهتها، قالت آن-صوفي كوربو، الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إن مسار الأنبوب العابر للصحراء “يعبر مناطق هي من الأقل أمناً نظراً لوجود جماعات مسلحة فيه”، منبهة إلى “صعوبات التشييد الهائلة الناجمة عن الأخطار الأمنية والتحدي التقني المتمثل في البناء في بيئة صحراوية قاسية”.
كما أشارت إلى “وجوب التوصل إلى اتفاقيات بيع طويلة الأجل مع زبائن أوروبيين” من أجل تمويل المشروع، وهو أمر صعب.
وبخصوص المشروع المنافس، تقول كوربو إن “مشكلة المسار الأطلسي، عبر المغرب، هي تجارية، إذ لا يوجد مشترون أوروبيون مؤكدون، ما يجعل ترتيب التمويل صعباً”.
لذلك ترى أن الغاز المسال سيكون الخيار الأكثر جدوى لنيجيريا ، إذ أن “التسييل يتيح المرونة في التصدير، في حين يقيّد خط الأنابيب البائع بالأطراف المستوردة.” .
ماذا تقول الدولتان؟
أمينة بنخضرة، المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكربونات والمعادن في المغرب، قالت لـ “رويترز” في شهر أبريل إن إن المشروع يجتذب اهتماماً قوياً بفضل حجمه وهيكله المرحلي وموقعه الاستراتيجي. لكنها أوضحت أنه لم يتم بعد تأمين أي التزامات تمويل نهائية.
أما الجزائر، فتقول بأن مشروعها دخل مرحلة التنفيذ، لا التخطيط فقط، وبأن المقطع الجزائري سيستفيد من بنية نقل وتصدير قائمة ، ما يقلل بعض التعقيدات الفنية واللوجستية، بحسب بيان لشركة سوناطراك في شهر يونيو.
ويعكس المشروعان المتنافسان إلى حد كبير التوتر بين الجزائر والرباط بسبب النزاع التاريخي في منطقة الصحراء. وكانت الجزائر قد تركت اتفاقية خط أنابيب المغرب العربي-أوروبا، الذي كان ينقل الغاز الجزائري إلى إسبانيا عبر المغرب منذ 1996، تنقضي من دون تجديد في نوفمبر 2021، ما أدى فعلياً إلى إغلاقه. ظلّ الأنبوب مغلقاً منذ ذلك الحين، باستثناء الجزء الذي يربط إسبانيا بالمغرب، والذي تستخدمه الرباط عكسياً لاستيراد الغاز الذي يصل بشكل مسال إلى إسبانيا.
في النهاية، بينما يأمل المغرب والجزائر في اجتذاب المليارات ليصبح كل منهما جسراً لأوروبا نحو الغاز النيجيري، قد تجد نيجيريا أن الخيار الأبسط هو تسييله وبيعه بحراً إلى السوق التي تدفع السعر الأعلى.

