منذ أن أعلن المدير الفني لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، ألبرتو باربيرا، في شهر أبريل الماضي اختيار المخرجة والممثلة الأميركية ماجي جيلينهال رئيسةً للجنة التحكيم الدولية للدورة الثالثة والثمانين، بدا واضحاً أن المهرجان يسعى هذا العام إلى تشكيل لجنة تحكيم دولية تجمع بين الخبرة السينمائية الخالصة والانفتاح على مجالات ثقافية وفنية متعددة.
ومع الإعلان الرسمي عن أعضاء اللجنة التي ستُقيّم أفلام المسابقة الرسمية خلال الدورة المقررة بين 2 و12 سبتمبر المقبل، تتضح ملامح هذه الرؤية أكثر، إذ تضم اللجنة مخرجين وكتاب سيناريو وموسيقيين وأكاديميين من خلفيات ثقافية وجغرافية متنوعة، في محاولة لقراءة السينما المعاصرة من زوايا متعددة.
إلى جانب ماجي جيلينهال، تضم اللجنة المخرجة التونسية كوثر بن هنية، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم الوجوه العربية في السينما العالمية، فقد استطاعت أن تجمع بين الوثائقي والروائي في أعمال تناولت قضايا الحرية والسلطة والهوية، وحققت حضوراً لافتاً في مهرجاني كان وفينيسيا وفي الترشيحات لحوائط الأوسكار لأكثر من مرة، ويُنظر إليها اليوم باعتبارها إحدى أكثر المخرجات العربيات تأثيراً على الساحة الدولية، بفضل خصوصية أعمالها.
وتحضر الموسيقى داخل اللجنة من خلال البريطاني دانيال بلومبرج، المؤلف الموسيقي والفنان التشكيلي الذي حصد هذا العام جائزتي الأوسكار والبافتا عن موسيقى فيلم The Brutalist، ولا يقتصر نشاط بلومبرج على التأليف الموسيقي، بل يمتد إلى الفنون البصرية والرسم، ما يجعله من الشخصيات القادرة على النظر إلى الفيلم بوصفه عملاً فنياً متكاملاً يتجاوز السرد التقليدي.

أما البعد الأكاديمي والفكري فيمثله الباحث الإيطالي – الأميركي فرانشيسكو كازيتي، أحد أبرز منظري السينما والإعلام في العالم، يشغل كازيتي موقع أستاذ الدراسات السينمائية والإعلامية في جامعة ييل، وارتبط اسمه بعدد من الكتب المرجعية التي تناولت تاريخ النظريات السينمائية وتحولات الصورة في العصر الرقمي. ويعد وجوده داخل اللجنة مؤشراً على رغبة المهرجان في إشراك الفكر النقدي إلى جانب الممارسة الفنية.
ومن فرنسا ينضم المخرج والكاتب كزافييه جانولي، صاحب أعمال بارزة مثل Marguerite و Lost Illusions الذي فاز بجائزة سيزار لأفضل فيلم، ويُعرف جانولي بأسلوبه الذي يجمع بين الحس الأدبي والقدرة على بناء شخصيات معقدة، ما جعله واحداً من أهم المخرجين الفرنسيين في العقدين الأخيرين.
كما تضم اللجنة المخرجة الأفغانية شهربانو سَعدات، التي تمثل جيلاً جديداً من السينمائيين القادمين من مناطق شهدت تحولات سياسية واجتماعية عميقة، وقد استطاعت عبر أفلامها أن تنقل قصص المجتمع الأفغاني إلى المنصات الدولية، مقدمة رؤية إنسانية ونسوية متميزة، وتعد اليوم من أبرز الأصوات التي ساهمت في تعريف العالم بالسينما الأفغانية المعاصرة.
أما الاسم الأخير في التشكيلة فهو المخرج والمنتج الشهير جوني تو من هونج كونج، أحد أبرز صناع أفلام الجريمة والحركة في آسيا والعالم، وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، نجح تو في بناء لغة بصرية خاصة جعلته شخصية مرجعية في السينما الآسيوية الحديثة، كما تربطه علاقة قديمة بمهرجان فينيسيا، حيث عُرضت فيه عدة أفلام من أعماله، وسبق أن شارك في لجنة التحكيم عام 2008.
وتعكس هذه التشكيلة، التي تجمع بين هوليوود والسينما العربية والآسيوية والأوروبية، وبين الممارسة الفنية والبحث الأكاديمي والتأليف الموسيقي، رغبة إدارة المهرجان في أن تكون أحكام لجنة فينيسيا 83 ثمرة حوار بين رؤى مختلفة للسينما المعاصرة.
وقال المدير الفني للمهرجان آلبرتو باربيرا إن اختيار أعضاء لجنة التحكيم جاء انطلاقاً من الحرص على توفير “توازن بين التجارب الإبداعية المختلفة والرؤى الثقافية المتنوعة”، مشيراً إلى أن الأسماء المختارة تمثل “طيفاً واسعاً من الخبرات التي تتجاوز حدود صناعة السينما التقليدية لتشمل الموسيقى والفكر والدراسات الأكاديمية، ما سيُثري النقاش حول الأعمال المشاركة ويمنحها قراءات أكثر عمقاً”.
وستختار اللجنة الفائزين بالجوائز الكبرى للمهرجان، وفي مقدمتها الأسد الذهبي لأفضل فيلم، والأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، والأسد الفضي لأفضل مخرج، إلى جانب جوائز التمثيل والسيناريو وجائزة مارتشيللو ماستروياني للمواهب الصاعدة.