جدول المحتوى

.

يتناول هذا العدد من ‏‎”‎مرصد مراكز الأبحاث‎” ‎مجموعة من القضايا الدولية والأمنية ‏التي تعكس حجم التحوّلات التي يشهدها النظام العالمي، بدءًا من مستقبل ‏العلاقات الأمريكية الإيرانية وإشكاليات تحقيق السلام المستدام، وصولًا إلى تصاعد ‏التهديدات الإرهابية وتحديات إدارة النزاعات في مناطق الصراع، في ظل بيئة دولية ‏تتسم بتزايد المنافسة وعدم اليقين‎.‎.

كما يرصد العدد التحولات المتسارعة في خريطة التهديدات الأمنية العالمية، من ‏تمدد تنظيم داعش في القارة الإفريقية وتنامي قدراته العابرة للحدود، إلى أزمة ‏عمليات السلام في القرن الإفريقي، مرورًا بالمخاطر الإرهابية المحتملة التي تفرضها ‏استضافة كأس العالم 2026، وما تتطلبه من ترتيبات أمنية واستخباراتية غير ‏مسبوقة لحماية الحدث العالمي‎.

ويتناول العدد أيضًا التحديات الاستراتيجية التي تواجه القوى الغربية، سواء من ‏خلال الضغوط المتزايدة على السياسة الخارجية البريطانية في ظل تغير موازين ‏القوى الدولية، أو عبر المخاوف المتعلقة بأمن الجناح الجنوبي لحلف الناتو، كما ‏يسلط الضوء على الأدوار الجديدة التي يمكن أن تضطلع بها دول مثل البرتغال ‏لتعزيز الأمن الأطلسي ومواجهة التحديات الناشئة‎.‎.

أربعة أوهام تهدد السلام بين أمريكا وإيران‎ ‎

لا تمثل مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران اتفاق سلام حقيقيًّا، بل مجرد إطار ‏لمفاوضات جديدة يؤجل معالجة الملفات الأساسية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني ‏والصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، وقد يحول هذا التأجيل الأزمة إلى حالة دائمة من ‏عدم الاستقرار بدلاً من إنهاء أسباب الصراع‎.‎.

وأشار المعهد الملكي للخدمات المتحدة‎ ‎إلى أن الاتفاق يستند إلى أربعة أوهام رئيسية: ‏الاعتقاد بأن ستين يومًا كافية لحل عقود من العداء، وأن اتفاقاً ثنائيًا قادر على تحقيق سلام ‏إقليمي، وأن الغموض في البنود يمنح مرونة سياسية، إضافة إلى الرهان على أن التعافي ‏الاقتصادي سيقود تلقائياً إلى اعتدال سياسي داخل إيران‎.‎

وتخلص الدراسة إلى أن الاتفاق قد لا يفضي إلى تسوية استراتيجية دائمة، بل إلى دورة متكررة ‏من التهدئة والتصعيد، فغياب حلول واضحة للقضايا الجوهرية، واستمرار تضارب المصالح ‏الإقليمية، واحتمال استفادة مراكز القوة داخل إيران من الانفتاح الاقتصادي، كلها عوامل قد ‏تجعل المنطقة تواجه أزمة مزمنة بدلاً من سلام مستقر طويل الأمد‎.‎.

تنظيم داعش.. تمدد إفريقي وتهديد متجدد

تشير بيانات تتبع نشاط تنظيم “داعش” بين 2019 و2026 إلى أن التنظيم لم يتراجع رغم ‏استقرار عدد هجماته السنوية، بل ازدادت فتكًا، كما انتقل مركز ثقله من العراق وسوريا إلى ‏إفريقيا، حيث برزت ولايات غرب إفريقيا والساحل وموزمبيق والصومال كمحركات رئيسية ‏للنشاط الجهادي العالمي‎.

وأوضح معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في عرضه للتقرير أن التمدد الإفريقي بات ‏السمة الأبرز للتنظيم، بينما تراجع نشاطه في العراق وسوريا وأفغانستان بفعل الضغوط ‏الأمنية. في المقابل، واصلت “ولاية خراسان” التركيز على التخطيط لعمليات خارجية، ما أبقى ‏التهديد العابر للحدود قائماً رغم انحسار عملياتها المحلية‎.‎.

ويرى التقرير أن الاستجابة الأمريكية لم تواكب هذه التحولات، إذ توقفت إجراءات العقوبات ‏والتصنيف ضد شبكات التنظيم منذ 2024، رغم توسع قدراته المالية والتجنيدية، كما برزت ‏مؤشرات مقلقة تتعلق بتطرف الشباب عبر الإنترنت واستخدام الذكاء الاصطناعي، ما ‏يستدعي تعزيز التعاون الاستخباراتي وبرامج مكافحة التطرف لمواجهة التهديد المتغير‎.‎.

أزمة السلام.. إدارة النزاعات في القرن الإفريقي

يواجه نظام إدارة النزاعات الدولي أزمة عميقة مع تراجع فعالية أدوات حفظ السلام وانحسار ‏الضمانات السياسية الدولية. وفي منطقة القرن الإفريقي، لم تنجح اتفاقيات السلام في ‏تحقيق الاستقرار الدائم، بل ساهم بعضها في تعزيز نفوذ الأنظمة الحاكمة وترسيخ أسباب ‏الصراع بدلًا من معالجتها‎.‎.

وأوضحت دراسة نشرها المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية أن اتفاقيات السلام في ‏دول مثل جنوب السودان والسودان وإثيوبيا لم تؤدِّ إلى تسويات مستدامة، كما أن التدخلات ‏الإقليمية والدعم الخارجي للأطراف المتحاربة قلّلا من فرص التوصل إلى حلول وسط، لأن ‏المتنازعين لم يعودوا مضطرين لتقديم تنازلات حقيقية‎.‎.

ويرى المعهد أن غياب الموارد والإرادة السياسية لتنفيذ الاتفاقيات يمنع معالجة الأسباب ‏الجذرية للنزاعات، ما يؤدي إلى تجدد العنف، ودها أوروبا إلى تبني نهج أكثر واقعية يقوم على ‏دعم المبادرات السلمية المحلية، ومكافحة اقتصادات الحرب، ومراجعة علاقاتها مع ‏الجهات الإقليمية التي تسهم في تأجيج الصراعات‎.‎.

ستارمر أم بيرنهام.. التحديات الخارجية واحدة

سيواجه رئيس الوزراء البريطاني المقبل مشهدًا دوليًا أكثر اضطرابًا، بغض النظر عن هويته، ‏فالعلاقات التي شكلت ركائز السياسة الخارجية البريطانية منذ عقود، ولا سيما مع الولايات ‏المتحدة وأوروبا، تشهد تغيرات عميقة، في وقت تتزايد فيه التهديدات الأمنية والاقتصادية ‏على المستوى العالمي‎.‎.

وأوضح معهد تشاتام هاوس أن حكومة كير ستارمر نجحت في الحفاظ على علاقات متوازنة ‏مع واشنطن وتعزيز التعاون مع الشركاء الأوروبيين، إلى جانب استمرار دعم أوكرانيا. غير أن ‏هذه النجاحات تصطدم بتحديات تتعلق بزيادة الإنفاق الدفاعي وتطوير القدرات العسكرية ‏البريطانية لمواكبة التحولات الجارية في منظومة الأمن الأوروبي‎.‎.

ولفت المعهد إلى أن احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين يضع المملكة المتحدة ‏أمام اختبارات معقدة في مجالات التجارة والتكنولوجيا والأمن. ومن ثمّ، تحتاج لندن إلى رؤية ‏استراتيجية أكثر شمولاً تربط بين المصالح الاقتصادية والأمنية، وتوسع شبكة شراكاتها ‏الدولية، مع إعداد الرأي العام للتكيف مع واقع دولي جديد يتسم بمزيد من المنافسة وعدم ‏اليقين‎.‎.

البرتغال وسد ثغرات الناتو في الجنوب

حذر المجلس الأطلسي من أن تركيز حلف الناتو المستمر على الجبهة الشرقية جعله أقل ‏استعدادًا لمواجهة التحديات المتزايدة على جناحه الجنوبي، فالمخاطر المرتبطة بالأمن ‏البحري والبنية التحتية تحت سطح البحر والتهديدات الهجينة تتنامى بوتيرة متسارعة، بينما ‏لا تزال استجابة الحلف محدودة مقارنة بحجم هذه التحديات‎.‎.

وأوضح المجلس أن التوسع الروسي والصيني في المحيط الأطلنطي يفرض ضغوطًا جديدة ‏على أمن الحلف، فالصين عززت حضورها في الموانئ الأوروبية وشبكات الكابلات البحرية، ‏فيما تواصل روسيا توسيع أنشطتها البحرية، ما يرفع أهمية حماية البنية التحتية الحيوية ‏وخطوط الاتصال الاستراتيجية عبر الأطلسي‎.‎.

ويرى المجلس أن البرتغال تمتلك مقومات تجعلها شريكًا أساسيًّا في تعزيز الدفاع الأطلسي، ‏بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي وجزر الأزور وبنيتها التحتية العسكرية واستقرار توجهها ‏المؤيد للناتو، ولذلك يدعو الحلف إلى دمج لشبونة بصورة أكبر في خططه الدفاعية وتوسيع ‏التعاون البحري والأمني لمواجهة التهديدات المتصاعدة‎.‎.

التهديدات الإرهابية لكأس العالم 2026‏

حذّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من أن كأس العالم 2026، بوصفه أكبر حدث ‏رياضي عالمي من حيث عدد المنتخبات والمباريات والمدن المستضيفة، يمثل هدفًا جذابًا ‏للتنظيمات الإرهابية والمتطرفين، وتكمن المخاطر الأكبر في الهجمات التي قد تستهدف ‏المواقع المدنية المفتوحة مثل مناطق المشجعين ووسائل النقل والفنادق والمطاعم ‏المحيطة بالملاعب.‏.

وأشار المركز في تقريره إلى أن التهديد لا يقتصر على الجماعات الإرهابية الأجنبية، بل يشمل ‏أيضًا المتطرفين المحليين والأفراد الذين يتصرفون بمفردهم بعد تعرضهم للتطرف عبر ‏الإنترنت، كما أن التوترات الدولية والصراعات الجيوسياسية قد تدفع جهات معادية أو ‏جماعات مسلحة إلى استغلال الحدث لتحقيق أهداف دعائية أو سياسية‎.

ورغم هذه المخاطر، أوضح التقرير أن الولايات المتحدة وكندا والمكسيك اتخذت إجراءات ‏أمنية واسعة للحد من التهديدات المحتملة، تشمل تعزيز التعاون الاستخباراتي والمراقبة ‏الأمنية وحماية البنية التحتية الحيوية، ورجح التقرير أن تبقى الهجمات واسعة النطاق ‏منخفضة الاحتمال، مع استمرار التركيز على منع الهجمات الفردية واستهداف ما يُعرف ‏بـ”الأهداف الرخوة”.‏.