جدول المحتوى

.

تصدرت استقالة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر افتتاحيات الصحف الألمانية التي ربطتها بالحالة الألمانية، في ظل انخفاض شعبية المستشار فريدريش ميرتس، وأكدت في معظمها أن التغيير السريع لرؤساء الحكومات لا يقدم الحلول المناسبة للمشكلات سواء في ألمانيا أو في بريطانيا.

وبرزت عناوين افتتاحيات مثل “بريطانيا تعاني من هوس تبديل الزعماء”، و”سقوط ستارمر إنذار لألمانيا أيضا”، و”استقالة كير ستارمر.. ماذا يحدث في بريطانيا؟”، خاصة أن كل ما يحدث في بريطانيا بعد بريكست لا يمر على الإعلام الألماني في إطار الأخبار العادية، بل يتصدر الصفحات الأولى لكبرى الصحف الألمانية.

ولكن هذه المرة، جاء اهتمام الصحف الألمانية مضاعفا لأن الاستقالة تطرح سؤالا مركزيا، وهو هل أن تغيير الزعماء هو الحل المناسب للأزمات السياسية؟ وإذا كان الأمر كذلك لماذا لا يتم تبديل رئيس الحكومة الألمانية المستشار فريدريش ميرتس في وقت تشهد فيه شعبيته سقوطا حرا؟

ووجدت الصحيفة الألمانية النخبوية دي تسايت في استقالة ستارمر فرصة للربط بين الحالتين البريطانية والألمانية، وجاء في مقال للكاتب باتريك شفارتس أن استقالة رئيس الوزراء البريطاني تدل على “مرض سياسي” منتشر تعاني منه ألمانيا أيضا حسب قوله ويتجلى في “حلم” تغيير المستشار فريدريش ميرتس، فهل يخلو ذلك من المخاطر والآثار الجانبية؟

هل من “نسخة ألمانية”؟

وتساءلت الصحيفة الأسبوعية قائلة “إذا فقدت بريطانيا نسختها الألمانية والإشارة هنا إلى المستشار ميرتس، ألم يحن الوقت في برلين أيضا لتقليد التجربة البريطانية؟ وأضافت “مؤخرا كان هناك همس حول تغيير المستشار داخل حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي قبل خمود النقاش أخيرا، أليس من الواجب في ألمانيا أيضا إجراء التغيير نفسه؟”.

وأجابت الصحيفة دون تردد “من فضلك لا”، مضيفة أن “التجربة البريطانية بالذات مثال واضح على وقوع الديمقراطية تحت الضغط وفي فخ خداع الذات تحديدا عندما يقتنع المواطنون ووسائل الإعلام والأحزاب بأن الوجوه الجديدة تحل المشكلات القديمة”.

وتعدد الصحيفة سلبيات اللجوء إلى ما وصفته بالنموذج البريطاني، قائلة إن هذا النوع من التغيير السريع قد يبدو للوهلة الأولى في الظاهر جذابا لأنه يعطي انطباعا بالحركة والتجديد لكنه في الواقع قد يخفي عجزا عن معالجة الأسباب الحقيقية للأزمات.

وحذر المقال من أن النقاشات الدائرة في ألمانيا حول إمكانية استبدال ميرتس تأتي في سياق مشابه، حيث تتراجع شعبيته بسرعة، بالتزامن مع ميل إلى التفكير في بدائل جاهزة داخل الحزب الواحد أو الائتلاف الواحد، لكن الكاتب يرى أن هذا النوع من التفكير يعكس حالة من التسرع السياسي يتم فيها التركيز على الأشخاص بدلا من السياسات.

صعوبة التحول

واستعرض المقال أوجه الشبه بين ميرتس وستارمر وأوضح أن كلا منهما وصل إلى المنصب بعد النجاح في توحيد حزبه وإعادته إلى السلطة بعد قضاء سنوات طويلة في المعارضة، لكنهما واجها صعوبة في التحول من صفوف المعارضة إلى الحكم.

وتطرق الكاتب إلى المشكلة من منظور السياق السياسي البريطاني الأوسع، حيث شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التغييرات في هرم السلطة، من ديفيد كاميرون إلى تيريزا ماي ثم بوريس جونسون وليز تراس قبل ريشي سوناك وصولا إلى كير ستارمر، مشيرا إلى أن جميع هذه التغييرات لم تؤد إلى الاستقرار السياسي المنشود، بل ساهمت في تعميق حالة الارتباك داخل المجتمع.

وخلص المقال إلى أن الاعتماد على تغيير القادة كحل للأزمات يمثل نوعا مما وصفه المقال “بالتسطيح السياسي”، مشيرا إلى أن حل المشكلات المعقدة لا يحدث بمجرد استبدال الوجوه، بل إن هذا النهج قد يؤدي إلى نتائج عكسية مثل تعزيز الصراعات الحزبية وبالتالي إضعاف ثقة الناخبين في المؤسسات السياسية والأحزاب الديمقراطية.

أما المجلة الأسبوعية ذات التوجه اليساري الليبرالي دير شبيغل فلا ترى في استقالة ستارمر حدثا منفصلا عن تقاليد ممارسة العمل السياسي في بريطانيا، بل تعتبر الاستقالة جزءا من نمط متكرر في المملكة المتحدة بعد بريكست يتمثل في تغيير سريع لرؤساء الحكومات دون معالجة جذور الأزمات، مما يؤدي إلى استمرار حالة من عدم الاستقرار السياسي.

عدم استقرار

وأشار مقال المجلة إلى أن ستارمر الذي وصل إلى الحكم بعد فوز كبير لحزب العمال كان قد وعد بإعادة الاستقرار بعد سنوات من الفوضى السياسية التي أعقبت استفتاء بريكست، لكنه واجه صعوبات كبيرة، ما أدى إلى تراجع شعبيته ودفع حزبه إلى التساؤل حول جدوى استمراره حتى الانتخابات المقبلة.

ثم انتقل الكاتب إلى سياق أوسع، موضحا أن بريطانيا تعيش منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي حالة من عدم الاستقرار، تجسدت في التغيير المتكرر لرؤساء الحكومات وفي تثبيت سمة جديدة وهي الرحيل المبكر لرؤساء الحكومات.

واعتبر الكاتب أن أحد أسباب ذلك هو تداعيات بريكست الذي كان سببا في حدوث انقسامات داخل المجتمع البريطاني وزاد من صعوبة الوصول إلى توافق يضمن الاستقرار، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم.

ورغم ذلك، يشير المقال إلى بعض الإنجازات خلال فترة حكم ستارمر، مثل تحسين أداء النظام الصحي وتحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وانخفاض معدلات الجريمة، مضيفا أن هذه الإنجازات لم تكن كافية لتغيير المزاج العام في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية والضغوط الخارجية.

وختم المقال بإلقاء نظرة على المرحلة المقبلة، قائلا إن حزب العمال سيبدأ عملية اختيار زعيم جديد، مما يعني استمرار ظاهرة التغيير السريع للزعماء، وهو نمط قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار بدلا من حل المشكلات.

ليست الوصفة المثالية

من ناحيتها، ذهبت الصحيفة اليسارية تاتس أيضا في اعتبار أن استقالة ستارمر السريعة ليست الوصفة المثالية لإنهاء المشكلات في بريطانيا، قائلة “في النهاية يصبح من الصعب عدم التعاطف مع البريطانيين، فمرة أخرى يغادر رئيس وزراء بريطاني منصبه بعد أقل من عامين، ومرة أخرى يظهر وجه جديد غير مستهلك، تعلق عليه الآمال في حل مشكلات المواطن البريطاني”.

واستحضرت الصحيفة تجارب سابقة في بريطانيا، وسرعة تغيير رؤساء الحكومات قائلة إن السؤال يبقى ما هو الخطأ الذي ارتكبه ستارمر؟ والجواب على هذا السؤال يبقى غير واضح حسب الكاتب الذي يضيف ربما لم يفعل ستارمر أي شيء خاطئ، وربما كان كل ما فعله خاطئا، مثل خطط التقشف المفاجئة بعد الانتخابات والتناقض بين الوعود الانتخابية وسياساته، وربما ضعف التواصل مع الناس والاعتماد على مستشارين قدامى ثم إلقاء اللوم على الآخرين بدل تحمل المسؤولية، هذا كله أفقده الثقة اللازمة عند الناخبين.

ويرى المقال أن استقالة ستارمر التي جاءت بعد نحو 10 سنوات من استفتاء بريكست كانت بمثابة تذكير بأن السياسة البريطانية لم تتعاف بعد من صدمة الاستفتاء الذي أخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وخلص الكاتب إلى أن تغيير رؤساء الوزراء باستمرار لن يحل المشكلات لأن أزمة بريطانيا ليست أزمة أشخاص بل أزمة بنية سياسية تعاني من قصر النظر حسب قوله.