جدول المحتوى

.

تمتلك إيران مدرسة نووية هجينة “غربية شرقية”، ففي عهد شاه إيران محمد رضا بهلوي بدأت برنامجها النووي مع أميركا ودول غرب أوروبا، حيث كانت إيران الحليف الاستراتيجي الأبرز لأميركا في الشرق الأوسط، فالأرضية التكنولوجية والبنية التحتية الأولى التي انطلقت منها إيران في برنامجها النووي الحالي، كانت بتمكين ومباركة أميركية كاملة وبمشاركة فرنسية وألمانية تحت المظلة الأميركية. وبعد سقوط الشاه وقيام الثورة الإسلامية في عام 1979، تغيرت العقيدة السياسية لإيران بالكامل، حيث اتخذت قرارا استراتيجيا بإحياء البرنامج النووي سرا وعلنا، ولكن بعيدا عن الغرب.

في عام 1987، وقعت إيران مع شركة أرجنتينية عقدا لتطوير قلب مفاعل طهران البحثي وتصميمه وتعديله، وكذلك نقل التكنولوجيا النووية. لكن في عام 1992 وتحت ضغط شديد من أميركا، أوقفت الأرجنتين فجأة مشاريعها، مما دفع إيران للبحث عن بديل دولي لإكمال مشاريعها المبدئية. لجأت إيران سرا إلى شبكة العالم الباكستاني عبد القدير خان، وحصلت على تصميمات لأجهزة طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم. لكن عندما كشفت هذه الشبكة في عام 2004، واجهت طهران عزلة دولية وتحقيقات موسعة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

الصين ونووي إيران

نستطيع أن نقول إن الصين كانت الشريك الأكثر جرأة في تقديم الدعم النووي التكنولوجي السري بعيدا عن أضواء الرقابة الدولية، قبل فرض الرقابة الصارمة. لم يكن الاتفاق الأساسي بين الصين وإيران سريا بالكامل في بدايته، بل بدأ تعاونا تجاريا رسميا بين حكومات، لكنه تحول إلى السرية والتكتم الشديد في مراحل التسليم والتنفيذ لتفادي الضغوط الأميركية والغربية.

في عام 1991، وقّعت الصين وإيران اتفاقية لتوريد مفاعل أبحاث صغير جدا (قدرته الحرارية نحو 30 كيلوواط) يعمل بالماء الخفيف، ويستخدم لأغراض علمية بحتة مثل التحليل بالتنشيط النيوتروني، وتدريب طلاب الهندسة والفيزياء النووية. وتم بناء المفاعل وتشغيله في مركز التكنولوجيا النووية في أصفهان عام 1994.هذا المفاعل الصغير، كان بوابة التعاون العلنية والقانونية التي استخدمتها إيران والصين لتبرير وجود خبراء صينيين بكثافة في أصفهان خلال التسعينيات. وتحت غطاء هذا المفاعل السلمي والمعلن عنه، جرى في السر نقل كثير من التكنولوجيا النووية.

كما وقعت إيران عقدا رسميا مع الصين في يناير/كانون الثاني 1991، لشراء منشأة تقوم بتحويل “الكعكة الصفراء” عبر عمليات كيميائية معقدة إلى غاز سادس فلوريد اليورانيوم (UF6). هذا الغاز هو الذي يتم ضخه في أجهزة الطرد المركزي في منشآت “نطنز وفوردو” لرفع نسب تخصيب اليورانيوم. بموجب هذا الاتفاق، بدأت الصين بتسليم وثائق التصميمات الأولية، وتقارير اختبار المعدات، والخرائط الهندسية للمنشأة.

مطلع عام 1996، نجحت الضغوط الأميركية المكثفة في إجبار الصين على الانسحاب رسميا من العقد. وقبل انسحاب الصين النهائي، قامت بتسليم الإيرانيين “كتيبات التصاميم التفصيلية والمخططات الزرقاء” (Blueprints) للمنشأة. بدأت إيران في بناء المنشأة عام 1999 في أصفهان، وبدأ تشغيل المنشأة في عام 2005. بدون هذا الأساس الصيني، لم تكن إيران لتمتلك دورة وقود نووي مستقلة، فهو العصب الحقيقي لبرنامج التخصيب الإيراني.

كما قامت شركات صينية في توريد الفولاذ الماريدجي (Maraging Steel) لإيران، وهو المادة المستخدمة في صناعة الدوارات (Rotors) والمنافيخ (Bellows) داخل أجهزة الطرد المركزي القديمة من طراز IR-1 وIR-2m. وكذلك قامت شركات صينية بتوريد ألياف الكربون عالي المتانة لإيران، وهو ضروري لتصنيع دوارات (Rotors) أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، من طراز IR-4، إلي طراز IR-9.

في عام 1992، تم توقيع اتفاقية تعاون علنية وشاملة، قامت الصين بموجبها بتوريد مفاعلات نووية بحثية صغيرة إلى إيران، بخلاف المفاعل البحثي الصغير. منها مفاعل بحثي صفري القدرة (HWZPR)، وهو مفاعل أبحاث يعمل بالماء الثقيل، وقدرته حراريا تكاد تكون صفرا. ومفاعل الحزمة الحرجة للماء الخفيف (LWCR)، وهو عبارة عن مفاعل لاختبار الترتيب الهندسي لقضبان الوقود والتحقق من حسابات الحروجية النووية، باستخدام الماء الخفيف مهدئاً ومبرداً. المفاعلات الثلاثة أصبحت تشكل في أصفهان منشآت بحثية نووية متكاملة.

كوريا الشمالية ونووي إيران

التعاون السري بين إيران وكوريا الشمالية من نوع خاص، خاصة وأن الدولتين مغضوب عليهما من أميركا، وهما واقعتان تحت مظلة “العقوبات الدولية الشاملة”. التعاون بدأ بشكل فعلي عام 1998، وازداد عمقا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2001 و2003. وخلال هذه الفترة، جرت عمليات نقل برمجيات الحاسب الآلي والنماذج الرياضية الخاصة بمحاكاة موجات الصدمة الانفجارية.

في عام 2003 أعلنت إيران، تجميد “مشروع آماد” السري لبرنامجها النووي العسكري، وتحول التعاون إلى زيارات ميدانية سرية، منها حضور خبراء إيرانيين للتجارب النووية الحية التي أجرتها كوريا الشمالية تحت الأرض (بدءا من تجربتها الأولى عام 2006 والتجارب اللاحقة)، وذلك بغرض الحصول على البيانات الحسابية الرياضية الناتجة من التفجيرات الحقيقية، ومقارنة تلك القراءات العملية بالحسابات الرياضية والنماذج النظرية التي كانت تجرى في مراكز الأبحاث في إيران، للتأكد من مطابقتها للواقع الفيزيائي. هذا الدعم البرمجي وفر على إيران سنوات من التجارب والخطأ، وقدم لها “معادلات جاهزة” لآلية انضغاط الكتلة الحرجة.

روسيا ونووي إيران

سعت روسيا (التي كانت تعاني من أزمة اقتصادية خانقة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991) إلى تحقيق مكاسب مالية هائلة عبر تزويد إيران بالمعدات والخبرات النووية، إلى جانب الرغبة في إيجاد موطئ قدم استراتيجي في الشرق الأوسط وموازنة النفوذ الأميركي. بدأ التعاون النووي الروسي – الإيراني رسميا عام 1992 ثم تعزز بصفقة عام 1995، لسد الفراغ التكنولوجي الذي خلفه انسحاب الأرجنتين تحت الضغط الغربي. ركزت روسيا على لعب دور “الشريك الرسمي الحذر”، لكن هذا لم يمنع وجود قنوات ومسارات سرية، لتلبية احتياجات إيران من الخبرات والتكنولوجيا النووية.

فتحت إيران قنوات سرية لاستقطاب كفاءات نووية روسية رفيعة المستوى، استقرت في إيران للعمل بعقود مجزية، وهؤلاء هم من تولوا إعادة هندسة وبناء “محطة بوشهر” لإنتاج الكهرباء، وتعديل التصاميم الألمانية لتصبح روسية بالكامل، فضلا عن نقل خبرات معقدة في مجال التكنولوجيا النووية.

تشير أحدث التقارير الاستخباراتية المتوفرة إلى أن العلماء الروس قدموا مؤخرا لإيران خلاصة تجاربهم في تطوير أنظمة التفجير الهيدروديناميكي عالية الدقة (صواعق الجسور المتفجرة) اللازمة لضغط كتلة يورانيوم، قلب القنبلة النووية، لإحداث الانفجار النووي.

هذا الدعم الفني ساعد إيران على تجاوز معضلة هندسة التفجير المتزامن، وهي الخطوة الأخيرة التي تسبق تجميع الرأس النووي وصناعته. كما تطورت المسارات السرية بشكل لافت، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية وحاجة روسيا لمعدات عسكرية من إيران. ومن خلال التعاون في الأبحاث الأكاديمية، استطاع خبراء روس تزويد إيران بمعلومات حساسة في فيزياء الكم، والحسابات الرياضية للمفاعلات، والتي يمكن استخدامها في النووي السلمي والنووي العسكري.