في إطار التزامها بالريادة البيئية والتميز الصناعي، تواصل مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) ترسيخ مكانتها كفاعل مسؤول في سوق الصناعة الفوسفاتية على المستوى العالمي؛ إذ لم يعد دورها يقتصر على تلبية الطلب المتزايد على الأسمدة فحسب، بل بات يتجاوز ذلك إلى وضع معايير للجودة والاستدامة، من خلال العديد من المبادرات كمبادرة خفض الكادميوم من حمض الفوسفوريك، التي لا يمتد رهانها إلى مجرد تلبية أعلى درجات الجودة وحماية صحة التربة والمستهلك على حد سواء، بل أيضا إلى البعد السيادي والوطني، من خلال تطوير تقنيات وطنية خالصة وبكفاءات محلية.
وتلقت جريدة هسبريس مجموعة من الشروح في هذا الصدد، على هامش الزيارة التي أجرتها إلى المنصة الصناعية الجرف الأصفر، حيث تبدأ الدورة الصناعية لإنتاج الأسمدة داخل منشآت المجموعة باستقبال صخور الفوسفاط القادمة من المناجم، ومن ثم إخضاعها لمعالجات كيميائية دقيقة تهدف إلى تحويلها إلى حمض الفوسفوريك، قبل أن يتم تحبيبه في خطوط الإنتاج ليأخذ شكله النهائي كأسمدة جاهزة للاستخدام.
ونظرا لأن صخور الفوسفاط تحتوي طبيعيا على معدن الكادميوم بنسب تتفاوت حسب طبيعة المنجم والطبقات الجيولوجية، فإن هذا العنصر يذوب تلقائيا في حمض الفوسفوريك أثناء عملية التحويل؛ الأمر الذي يستدعي التدخل بمعالجة خاصة تُعرف بـ”إزالة الكادميوم” (Décadmiation)، وذلك لضمان عدم انتقاله إلى الأسمدة ومن ثم إلى التربة والبيئة.
وتعتمد هذه العملية على تقنيتين أساسيتين طورتهما مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، تسمى الأولى “التبلور المشترك” (Co-cristallisation)، والثانية هي “التشكيل المعقد” (Complexation)، بحيث تتمحور الفكرة العامة لهاتين التقنيتين حول عزل الكادميوم السائل وتحويله إلى مركب في طور صلب يتم استخلاصه وتخزينه بأمان، بينما يُوجه حمض الفوسفوريك النقي والخالي نسبيا من الكادميوم نحو صناعة الأسمدة، بحيث يعد هذا العمل ثمرة التعاون الوثيق بين قطاع البحث والتطوير بالمجموعة ومنظومتها البيئية الأكاديمية المتمثلة في جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية.
وتعكس هذه الجهود رؤية المجموعة والتزامها بالمعايير البيئية باعتبارها أحد أكبر الفاعلين العالميين في قطاع الأسمدة الفوسفاتية؛ إذ بدأت “OCP” مسيرتها في البحث عن حلول لمشكلة الكادميوم منذ سنوات طويلة كإجراء احترازي واستباقي لتلبية تطلعات الأسواق وتشريعاتها المختلفة، بحيث تنتج اليوم أسمدة منزوعة الكادميوم بمعدلات أقل بكثير حتى من سقف المعايير الأوروبية ذات الصلة، الشيء الذي يمنحها ميزة تنافسية في السوق العالمية للأسمدة.
في هذا الصدد، قال جليل الدحماني، مسؤول بإدارة إنجاز المشاريع الصناعية بالمجمع الصناعي بالجرف الأصفر، إن “المكتب الشريف للفوسفاط، وفي إطار تفعيل رؤيته الاستراتيجية، يسعى جاهدا إلى توفير الأسمدة للجميع والمساهمة الفعلية في بناء بيئة فلاحية مستدامة”، موضحا أن “المكتب قام بإنجاز العديد من المشاريع الصناعية الكبرى التي تهدف إلى إنتاج أسمدة متطورة تلبي حاجيات ومتطلبات مختلف الزبائن في جميع أنحاء العالم، ومن أبرزها الأسمدة ذات التركيز المنخفض من مادة الكادميوم”.
وأضاف الدحماني، في تصريح لهسبريس، أن “هذه الرحلة انطلقت منذ سنوات عديدة برؤية استباقية، حيث تولت فرق البحث الميدانية بجامعة محمد السادس متعددة التقنيات تطوير أساليب صناعية مبتكرة ومتطورة لإنتاج أسمدة تتماشى مع الاحتياجات والمعايير الدولية. وعقب ذلك، عملت فرق تطوير المشاريع الصناعية بطريقة ممنهجة على تنزيل هذه الأفكار وتحويلها إلى واقع ملموس، وفق برامج وتصاميم صناعية دقيقة، مع توريد كافة الآليات والمعدات اللازمة لإنجاحها”.
وخلص المتحدث ذاته إلى أن “العديد من هذه المشاريع تم إنجازها بالكامل بفضل الخبرات الوطنية والكفاءات المغربية، وبالتعاون مع الشركات المحلية التي ساهمت بفعالية في تشييدها، مما أثمر أيضا توفير العديد من مناصب الشغل ودمج الطاقات المحلية في هذا المسار”.
من جهته، أكد حمزة عدام، مسؤول عن قسم الابتكار والبحث التطبيقي في وحدة الأعمال الاستراتيجية للتصنيع (SBU Manufacturing) على مستوى مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، أن “الكادميوم هو عنصر معدني زهيد يوجد في صخور مختلفة حول العالم، ولا سيما الصخور الفوسفاطية، وبشكل خاص في الصخور المغربية. وبما أن لدينا مناجم عدة، فإننا بالتالي نملك مستويات متعددة من الكادميوم”.
وتابع بأن “المكتب قام، بالتعاون مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، بتطوير تقنية لإزالة الكادميوم، وذلك بعد تجارب عديدة على تقنيات مختلفة، بحيث استكشفنا ما يقارب خمسين تقنية سمحت لنا بالوصول إلى التقنية التي نناقشها اليوم، والتي تستخدم بشكل أساسي لفصل الكادميوم عن حمض الفوسفوريك، وهو المنتج الذي يُستعمل في تصنيع الأسمدة منخفضة الكادميوم”.
وزاد شارحا: “يتيح لنا ذلك الوصول إلى مستويات تركيز تقل عن 20 مليغراما من الكادميوم لكل كيلوغرام من خامس أكسيد الفوسفور، وهو ما يقل عن بعض المتطلبات، ولا سيما التشريعات الأوروبية التي تبلغ حدّها اليوم 60 مليغراما لكل كيلوغرام”، مبرزا أن “هذه العملية تعتمد على إضافة مواد وتشكيل معقدات مع الكادميوم، وبالتالي تجعله قابلا للفصل عن حمض الفوسفوريك، ومن ثمَّ عزله على شكل مادة صلبة صغيرة، وهي بدورها قيد البحث حاليا من أجل تثمينها. يتم تخزينها اليوم مع استمرار الأبحاث للتمكن من تثمينها واستغلالها، خاصة في كل ما يتعلق بالانتقال الطاقي الأخضر”.
وبين حمزة عدام أن “المكتب الشريف للفوسفاط ساهم في تطوير تقنية وطنية بكفاءات وطنية نابعة من جامعة (UM6P) ونظامها البيئي، ومن مجموعة OCP ونظامها البيئي، والتمكن من تصنيعها والوصول بها إلى الإنتاج الصناعي، مما يتيح لنا عبور ما يُسمى ‘وادي الموت التكنولوجي’، وبالتالي امتلاك شيء يخدم المجموعة ويخدم الصالح الوطني”.
في سياق ذي صلة، أوضحت أمال فاضل، رئيسة عمليات حمض الفوسفوريك بالمنصة الصناعية بالجرف الأصفر، في تصريح لهسبريس، أن “نشر التقنيات الصناعية لإزالة الكادميوم في موقع الجرف الأصفر ليس وليد اليوم؛ إذ تمكنّا، بفضل جهود سنوات، من تطوير طرق لإزالة الكادميوم تتيح لنا إنتاج أسمدة منخفضة الكادميوم لتلبية متطلبات الأسواق واحتياجاتها، وبالتالي نجحنا في تكييف عمليات إنتاج الأسمدة لدينا من خلال دمج وحدات إزالة الكادميوم لإنتاج هذه الأسمدة، وذلك بالاعتماد على تعقيد الكادميوم من حمض الفوسفوريك في الحالة الصلبة”.
وتابعت: “بناء على ذلك، فإن حمض الفوسفوريك يُستخدم لإنتاج هذه الأسمدة منخفضة الكادميوم، في حين يتم تخزين المادة الصلبة تمهيدا لتثمينها وإعادة استخدامها في مجالات متخصصة”.

