مع تصاعد الأجواء المتفائلة حيال احتمال توقيع الاتفاق الأميركي الإيراني، انسحبت هذه الأجواء على المشهد السياسي اللبناني الداخلي. ودخل على خط إشاعة هذه المناخات أكثر من معطى تجلّى في الحركة الديبلوماسية الكثيفة التي شهدتها بيروت في الأيام القليلة الماضية، بين حركة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى وزيارة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان لبيروت.

 

فحراك السفير الأميركي صبّ أساساً في إطار تخفيف حدة ردود الفعل لدى الثنائي الشيعي حيال الاتفاق الثلاثي اللبناني الإسرائيلي الأميركي الموقّع في واشنطن. وعُلم من مصادر مطلعة أن اللقاءات التي عقدها عيسى بداية مع بري واستكملها مع مستشاره الأول علي حمدان، هدفت أساساً إلى بلورة المقترحات التي جرى البحث فيها في إطار تحسين الاتفاق، من أجل طرحها في جلسات التفاوض المقبلة في الثاني والعشرين من الشهر الجاري في واشنطن. وفُهم من أوساط عين التينة أن أجواء لقاءات عيسى كانت إيجابية ويمكن أن تؤدي إلى تعديلات تسهم في موافقة الثنائي على الاتفاق.

 

أما على المحور السعودي، فبالرغم من الطابع الرسمي الاقتصادي الذي اتّسمت به زيارة بن فرحان ولقاءاته المسؤولين اللبنانيين، إذ أتت غداة قرار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رفع الحظر عن الصادرات اللبنانية إلى المملكة، إلا أن معظم المحادثات ركزت على الجانب السياسي بعد الدخول السعودي القوي على خط المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية.

 

وينطلق الاهتمام السعودي من نقطتين أساسيتين: الأولى أن المملكة، المعنية مباشرة بالملف اللبناني والحريصة على حفظ موقعها فيه، لا تريد أن يذهب لبنان إلى اتفاق سلام متسرّع أو تحت ضغط النار مع إسرائيل بل من خلال حاضنة عربية تعزز موقعه التفاوضي. أما النقطة الثانية فتتمثل في عدم رغبة المملكة في استبعادها لمصلحة وساطات خليجية أخرى تقودها قطر، ولو كانت تتم بعلمها ومباركتها، إلا أن المملكة ستكون معنية أساساً في مرحلة ما بعد وقف النار وتمويل مشاريع إعادة الإعمار. 

 

وأمام هذا المشهد، عُلم أن وفد لبنان إلى المفاوضات، وبعد توجيهات رئيس الجمهورية، سيتولى التفاوض على الترتيبات الأمنية التي من شأنها تثبيت وقف إطلاق النار، ومباشرة مرحلة الانسحاب. وهذا ما يفسّر دمج المسارين الأمني والسياسي في اجتماعات واشنطن المقبلة. وفي مقدمة البنود المتصلة بالترتيبات الأمنية التي اتُّفق عليها خلال الجولة الأخيرة تكمن في إنشاء مناطق تجريبية تنسحب منها إسرائيل بالكامل على أن يتولى الجيش اللبناني الانتشار فيها والتأكد من خلوّها من أي عناصر مسلحة أو أعتدة ومنع عودة الحزب إليها. وهذا البند الذي كان قد أثار تساؤلات نبيه بري حول سبب عدم وجود جدول زمني في تطبيق هذه المناطق، ولماذا لا تتم دفعة واحدة بدل أن تبدأ بمنطقة وتستمر بواحدة تلو الأخرى، ما يعيق بالنسبة إليه عودة الأهالي وتحقيق الانسحاب الكامل. هذه التساؤلات دفعت السفير الأميركي إلى الدخول مباشرة على خط التفاوض مع بري لشرحها والتفاهم عليها قبل جلسات واشنطن المقبلة التي يُفترض أن تكون مناسبة لتحقيق تقدم في مسار الاتفاق على الترتيبات الأمنية المتصلة بمسألة الانسحاب وانتشار الجيش.

 

علماً أن العائق الرئيسي لا يزال يكمن في الموقف الإسرائيلي من أي تعديلات ممكن أن يتم اقتراحها في الاجتماع. وقد برزت انعكاسات هذا العائق في توسيع إسرائيل توغّلها، بما يشي بأهداف غير معلنة لتوسيع نطاق المناطق التجريبية التي ستحفظ لها وجوداً في المناطق الاستراتيجية إذا فشلت هذه التجربة. من هنا، تتحفظ أوساط عين التينة عن إبداء أي إيجابية قبل التأكد من إمكانية تحقيق خرق يؤدي إلى تثبيت وقف النار ووقف نهائي للخروقات الإسرائيلية اليومية الحاصلة بالرغم من الاتفاق. ولهذا، تكثفت الاتصالات بين بعبدا وعين التينة عبر لقاءات عقدها مستشار الرئيس جوزف عون أندريه رحال ومستشار بري علي حسن خليل، بمواكبة وتكليف من الحزب الذي لا يزال على تواصل مع بعبدا من خلال حوار ثنائي ولو لم يفضِ بعد إلى نتيجة. ولكن اللافت أن الحديث ليس على الإيقاع نفسه.

 

ذلك أن الاتفاق الأميركي الإيراني ينسحب على لبنان لجهة تكريس وقف النار في مرحلة أولى، ولكن هذا لا يعني أنه سيشمل الانسحاب الإسرائيلي كما أبلغ وزير الخارجية الإيراني حلفاءه في بيروت. وفي الانتظار، تستكمل إسرائيل في الساعات المقبلة الفاصلة عن موعد توقيع الاتفاق بين واشنطن وطهران عملياتها للسيطرة على تلة علي الطاهر التي تمنحها السيطرة على النبطية، على نحو يضمن لها سيطرة كاملة على حركة الحزب.