تتوقع شركات النفط الأمريكية تحقيق أرباح كبيرة بسبب الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط منذ بداية الحرب في إيران، حيث تعيد الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة تشكيل التوازنات داخل صناعة الطاقة العالمية.

تشير تقديرات صحيفة فايننشال تايمز إلى أن المنتجين الأمريكيين قد يحققون أكثر من 60 مليار دولار من الإيرادات الإضافية هذا العام إذا استمرت أسعار النفط عند المستويات المرتفعة التي شهدتها الأسواق منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في 28 فبراير.

هذا الارتفاع يأتي في ظل مخاوف من تعطل تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والغاز، حيث يمر عبره نحو خُمس التجارة العالمية من هذه الموارد.

ارتفاع الأسعار يعزز التدفقات النقدية

بحسب نماذج أعدها بنك الاستثمار جيفريز، من المتوقع أن يحقق المنتجون الأمريكيون نحو 5 مليارات دولار من التدفقات النقدية الإضافية في شهر مارس فقط نتيجة ارتفاع أسعار النفط منذ بداية الصراع، كما تشير تقديرات شركة ريستاد إنرجي إلى أنه إذا بلغ متوسط سعر النفط الأمريكي 100 دولار للبرميل في عام 2026، فقد ترتفع إيرادات إنتاج النفط لدى الشركات الأمريكية بنحو 63.4 مليار دولار مقارنة بالتوقعات السابقة.

سعر خام برنت تجاوز 100 دولار للبرميل خلال تداولات الأسبوع الماضي، بينما أغلق خام غرب تكساس الوسيط عند 98.71 دولار للبرميل يوم الجمعة.

شركات النفط الصخري في موقع المستفيد

من المتوقع أن تكون شركات النفط الصخري الأمريكية من أبرز المستفيدين من ارتفاع الأسعار، حيث تتركز عملياتها الإنتاجية داخل الولايات المتحدة ولا تتعرض بشكل كبير للاضطرابات في الشرق الأوسط، مما يمكنها من الاستفادة من الأسعار المرتفعة في السوق العالمية دون التعرض للمخاطر التشغيلية.

في المقابل، تواجه شركات النفط الدولية الكبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون تحديات أكبر، إذ أن لديها استثمارات كبيرة في المنطقة وتعتمد جزئياً على الإنتاج من الشرق الأوسط.

اضطرابات الإنتاج تضغط على الشركات الكبرى

بدأت آثار الحرب تظهر بالفعل في عمليات بعض هذه الشركات بعد توقف الإنتاج في عدد من المنشآت، كما اضطرت شركة شل إلى إعلان القوة القاهرة على شحنات الغاز الطبيعي المسال التي كانت تنوي تصديرها من منشأة رأس لفان التابعة لشركة قطر للطاقة.

في الوقت نفسه، أصدرت شركة خدمات حقول النفط SLB تحذيراً بشأن أرباحها، مشيرة إلى أن التحديات التشغيلية المتزايدة في المنطقة بدأت تؤثر على نشاطها.

يعتقد بعض الخبراء في قطاع الطاقة أن ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة أن شركات النفط العالمية هي المستفيد الأكبر من الأزمة، حيث أشار مارتن هيوستن، رئيس شركة أوميغا أويل آند غاز، إلى أن الشركات الدولية تفضل استقرار السوق بدلاً من الأزمات التي ترفع الأسعار مؤقتاً ولكن تزيد المخاطر التشغيلية.

مضيق هرمز وصدمة الإمدادات

إغلاق مضيق هرمز يمثل جزءًا كبيرًا من صدمة الإمدادات التي تواجه سوق الطاقة حالياً، فقد أعلن المرشد الأعلى الإيراني الجديد مجتبى خامنئي أن القوات الإيرانية ستواصل إغلاق هذا الممر البحري الحيوي.

تشير تقديرات بنك غولدمان ساكس إلى أن نحو 18 مليون برميل يومياً من أصل 20 مليون برميل كانت تمر عادة عبر المضيق ما تزال متوقفة، مما يمثل أحد أكبر الاضطرابات في تدفقات النفط العالمية منذ سنوات.

كما أن التداعيات واضحة في سوق الغاز الطبيعي المسال، حيث تعطّل نحو خُمس الإنتاج العالمي بعد توقف الشحنات من قطر ودول خليجية أخرى.

احتمال ارتفاع الأسعار إلى مستويات أعلى

يرى محللون أن أسعار الطاقة قد ترتفع أكثر إذا استمر اضطراب الإمدادات، حيث توقعت مؤسسة آر بي سي كابيتال ماركتس أن يمتد الصراع حتى فصل الربيع، مما قد يدفع سعر خام برنت إلى تجاوز 128 دولاراً للبرميل خلال ثلاثة إلى أربعة أسابيع.

قال توماس لايلز من شركة ريستاد إنرجي إن إغلاق المضيق سيؤثر بشكل كبير على شركات النفط الوطنية في الشرق الأوسط، لكنه سيضغط أيضاً على شركات النفط الغربية الكبرى التي لديها استثمارات في المنطقة.

تفاوت الانكشاف بين الشركات الكبرى

تبدو شركتا بي بي وإكسون موبيل من بين الأكثر انكشافاً على المنطقة، حيث تعتمد أكثر من 20% من التدفقات النقدية الحرة المتوقعة لهما في عام 2026 على عمليات النفط والغاز في الشرق الأوسط، بينما هذا الرقم يبلغ نحو 14% لشركة توتال إنرجيز و13% لشركة شل، بينما لا يتجاوز 5% لشركة شيفرون.

ورغم هذه المخاطر، أشارت بعض الشركات إلى أن ارتفاع الأسعار قد يعوض جزءاً من خسائر الإنتاج، حيث قالت توتال إنرجيز إن الأسعار المرتفعة تعوض أكثر من خسارة الإنتاج في الشرق الأوسط.

تفاعل متباين في الأسواق المالية

هذا التفاوت في الانكشاف انعكس أيضاً على أداء أسهم الشركات في الأسواق المالية، حيث ارتفع سهم إكسون موبيل بنحو 2% فقط منذ بداية الأزمة، ليصل إلى نحو 156 دولاراً للسهم.

بينما سجلت الشركات الأوروبية مكاسب أكبر، إذ ارتفعت أسهم بي بي بنحو 11%، وصعدت أسهم شل بنحو 9%، مدفوعة بتوقعات بأن تحقق وحدات التداول التابعة لها أرباحاً من تقلبات أسعار النفط والغاز.

كما شهدت شركة الطاقة النرويجية إكوينور ارتفاعات ملحوظة، في ظل عدم امتلاكها عمليات إنتاج في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى دورها كمورد رئيسي للغاز إلى أوروبا.

تحولات أوسع في سوق الطاقة

لا تقتصر آثار الأزمة على شركات النفط فقط، حيث شهدت أسهم بعض شركات التكرير مثل نيستي وريبسول ارتفاعات ملحوظة بعد تقلص الإمدادات من المنتجات النفطية القادمة من الشرق الأوسط.

يرى محللون أن الشركات الأقل اعتماداً على إنتاج المنطقة قد تكون من أبرز المستفيدين من الأسعار المرتفعة الحالية، وقد تدفع الأزمة بعض الدول المستوردة للطاقة إلى إعادة التفكير في استراتيجيات أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمدادات.

أشار بول سانكي، مؤسس شركة الأبحاث سانكي ريسيرش، إلى أن الأسواق تتعامل مع إغلاق مضيق هرمز على أنه حدث مؤقت، لكن التاريخ قد ينظر إليه لاحقاً باعتباره تحولاً في تسعير المخاطر الجيوسياسية في أسواق النفط العالمية.