كشفت دراسة حديثة أن وسائل التواصل الاجتماعي لها دور كبير في تغيير الوعي الهوياتي للشباب المصري، حيث ساهمت في توسيع دوائر الانتماء وتعزيز الانفتاح الثقافي، مما أدى إلى ظهور ما يسمى “الهويات العابرة للحدود” التي تجمع بين الهوية المحلية والعربية والعالمية في إطار مرن ومتعدد الأبعاد.

نتائج البحث

قدمت الدراسة، التي أعدها الدكتور حسن سلامة والدكتور نور الدين شعبان من المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، خلال ندوة بعنوان “انعكاسات التنوع على الهوية العربية”، تحليلاً عميقًا حول تأثير البيئة الإعلامية الحديثة على الهوية. وأشارت إلى أن هذا التحول لم يقتصر فقط على أدوات الاتصال، بل أثر أيضًا على كيفية فهم الهوية ذاتها، مع انتقال مركز التأثير من الإعلام التقليدي إلى الفضاء الرقمي، حيث تتداخل المنصات الرقمية وصناع المحتوى والجمهور في تشكيل المعاني.

أوضحت الدراسة أن مفهوم “الهوية الرقمية” أصبح أساسيًا لفهم التغيرات الحالية، حيث يعبر الأفراد عن خصائصهم وسلوكياتهم وقيمهم في البيئات الرقمية، وأصبح الشباب يعيدون تعريف أنفسهم في فضاءات افتراضية متعددة تتقاطع فيها الانتماءات المحلية مع التأثيرات الإقليمية والعالمية.

الانفتاح الثقافي

لفتت الدراسة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للتواصل أو الترفيه، بل أصبحت بيئات ثقافية ومعرفية تؤثر في تشكيل القيم والاتجاهات من خلال التفاعل المستمر مع محتوى متنوع وسريع التدفق، يتجاوز الحدود الجغرافية ويعيد تشكيل تصورات الانتماء. وأظهرت النتائج الميدانية، التي شملت عينة من 363 شابًا مصريًا، أن 81.3% من المشاركين من سكان الحضر، و63.4% حاصلون على مؤهل جامعي، و68.6% منهم يعملون، مما يعكس شريحة شبابية نشطة ومتصلة بالفضاء الرقمي بشكل يومي.

بينت النتائج أن 59% من الشباب يفضلون المحتوى الترفيهي على المنصات الرقمية، بينما يتابع 45.5% المحتوى الإخباري والسياسي، و33.6% يهتمون بالمحتوى التعليمي، و32% بالمحتوى الثقافي والفكري، مما يعكس نمط استهلاك رقمي يجمع بين الترفيه والمعرفة والمشاركة في الشأن العام.

تأثير الهوية

أشارت الدراسة إلى أن 73% من المشاركين يرون أن وسائل التواصل الاجتماعي تقربهم من ثقافات ومجتمعات خارج مصر، مما يعكس مستوى مرتفعًا من الانفتاح الثقافي، بينما أكد 55.1% أن هذه المنصات تعزز تبني أنماط ثقافية عالمية. في المقابل، أظهرت النتائج أن 65.6% من الشباب لا تزال الهوية المصرية تمثل الإطار المرجعي الأساسي لهم، بينما 17.4% للهوية العربية، و11% للهوية الدينية، مما يعكس تدرجًا واضحًا في مستويات الانتماء وليس تعارضًا بينها بل تكاملًا وظيفيًا.

أوضحت الدراسة أن 68% من المشاركين يدركون التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي على قيمهم وسلوكياتهم، في حين يرى 20.7% أن التأثير متوسط، مما يعكس وعيًا متزايدًا لدى الشباب بطبيعة الفضاء الرقمي ودوره في تشكيل الاتجاهات. كما أظهرت النتائج أن 73% من العينة يرون أن وسائل التواصل الاجتماعي تتيح تكوين شبكات وعلاقات تتجاوز الحدود الوطنية، مما يعزز مفهوم “الانتماء الشبكي” ويكرس صعود هويات رقمية عابرة للحدود.

توصيات

لفتت الدراسة إلى وجود انقسام في تقييم تأثير المحتوى العالمي على القيم المحلية، حيث رأى 45.7% أن تأثيره سلبي، بينما اعتبره 43.5% إيجابيًا، و10.7% وصفوه بأنه محايد، مما يعكس حالة من التوازن والجدل داخل وعي الجيل الرقمي. أكدت الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تنتج هوية واحدة، بل تساهم في إنتاج “هويات مركبة” تجمع بين المحلي والعالمي، مما يسمح للشباب بإعادة تعريف ذواتهم باستمرار داخل فضاء رقمي ديناميكي.

شددت الدراسة على أن الهوية لدى الشباب المصري لم تعد ثابتة أو أحادية، بل أصبحت بنية متعددة المستويات، تتداخل فيها الهوية الوطنية مع الهوية العربية والهويات العابرة للحدود، في إطار تفاعلي مستمر تعيد تشكيله المنصات الرقمية، وقدمت عددًا من التوصيات مثل تعزيز إنتاج محتوى عربي عالي الجودة، وتطوير منصات رقمية عربية منافسة، ودعم مهارات التفكير النقدي لدى الشباب، بالإضافة إلى إنشاء أطر تنظيمية عربية مشتركة لضبط المحتوى الرقمي وتعزيز ما وصفته بـ”المناعة الرقمية” في مواجهة الخطابات الاستقطابية.