جدول المحتوى

.

شهدت الحرب الروسية الأوكرانية خلال الأسابيع الأخيرة تطورات لافتة أعادت أوكرانيا إلى واجهة المبادرة العسكرية، بعدما نفذت سلسلة من العمليات النوعية داخل العمق الروسي واستعادت مواقع ميدانية محدودة على خطوط القتال، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن ما إذا كانت كييف قد نجحت فعلاً في تغيير مسار الحرب أم أنها تحقق مكاسب تكتيكية ضمن صراع استنزاف طويل الأمد.

فمنذ مطلع يونيو، كثفت القوات الأوكرانية هجماتها بعيدة المدى على أهداف عسكرية ولوجستية روسية، مستهدفة العاصمة موسكو ومناطق استراتيجية في شبه جزيرة القرم، بينما تحدثت تقارير غربية عن تحقيق تقدم ميداني محدود للشهر الثاني على التوالي، في سابقة لم تشهدها الجبهة منذ الهجوم الأوكراني المضاد في خريف عام 2023.

موسكو تحت النار

أبرز التطورات تمثلت في وصول الهجمات الأوكرانية مجدداً إلى العمق الروسي، حيث تعرضت موسكو ومحيطها لسلسلة ضربات بطائرات مسيّرة وصواريخ بعيدة المدى أدت إلى تفعيل منظومات الدفاع الجوي الروسية وإثارة مخاوف أمنية داخل العاصمة، وفق “لوفيغارو”.

كما تزامنت هذه الهجمات مع تقارير عن مقتل الجنرال الروسي دامير دافيدوف، المسؤول عن إمداد القوات الروسية بالصواريخ والذخائر، إثر انفجار استهدف سيارته في ضواحي موسكو، في حادثة لم تعلن كييف مسؤوليتها عنها رسمياً، لكنها أثارت تكهنات واسعة بشأن ضلوع أجهزة أوكرانية فيها.

ويرى مراقبون أن هذه العمليات تحمل بعداً نفسياً وسياسياً يتجاوز تأثيرها العسكري المباشر، إذ تهدف إلى نقل الحرب إلى الداخل الروسي وإظهار أن موسكو لم تعد بمنأى عن تداعيات الصراع.

القرم في مرمى الاستهداف

بالتوازي مع ذلك، صعّدت أوكرانيا عملياتها ضد البنية اللوجستية الروسية في شبه جزيرة القرم، التي تعد مركزاً رئيسياً لإمداد القوات الروسية العاملة في جنوب أوكرانيا.

وشملت الهجمات منشآت نفطية وموانئ ومراكز رادار وأنظمة دفاع جوي متطورة، إضافة إلى أهداف قرب جسر القرم الذي يمثل أحد أهم خطوط الإمداد الروسية بين الأراضي الروسية وشبه الجزيرة.

وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القوات الأوكرانية استهدفت مرافق لوجستية وعسكرية حيوية، بما في ذلك مواقع تابعة لمنظومات الدفاع الجوي الروسية من طراز “إس-400″ و”بانتسير”.

وتسعى كييف من خلال هذه العمليات إلى إضعاف القدرة الروسية على دعم قواتها في الجبهة الجنوبية ورفع تكلفة السيطرة على القرم دون الدخول في مواجهة مباشرة لاستعادة شبه الجزيرة بالقوة.

مكاسب ميدانية

على الأرض، تحدثت تقديرات غربية عن استعادة القوات الأوكرانية بعض المناطق خلال الشهرين الماضيين، إلا أن الخبراء يحذرون من المبالغة في توصيف هذه التطورات.

فمعظم المناطق التي استعادت أوكرانيا السيطرة عليها تقع ضمن ما يُعرف بـ”المنطقة الرمادية”، وهي مساحات متنازع عليها بين الطرفين يصعب اعتبارها خاضعة لسيطرة كاملة لأي منهما.

ويختلف شكل الجبهة الحالية عن السنوات الأولى للحرب، إذ لم تعد المعارك تدور على خطوط خنادق متصلة، بل داخل شبكة واسعة من المواقع المتفرقة والنقاط القتالية المتنقلة الممتدة على طول مئات الكيلومترات.

ويرى محللون عسكريون أن توسيع هذه المناطق الرمادية يمثل مؤشراً إيجابياً بالنسبة لكييف، لكنه لا يرقى حتى الآن إلى مستوى الاختراق الاستراتيجي القادر على تغيير موازين القوى على الجبهة.

يتابع المراقبون أيضاً التغييرات داخل دوائر صنع القرار الأوكرانية، خاصة مع صعود كيريلو بودانوف، المدير السابق للاستخبارات العسكرية، إلى موقع مؤثر داخل الإدارة الرئاسية.

ويُعرف بودانوف بدعمه للعمليات الخاصة والضربات النوعية خلف خطوط العدو، وهو ما ينسجم مع النمط الذي اتبعته أوكرانيا خلال الأشهر الأخيرة، والقائم على استهداف البنية العسكرية والاقتصادية الروسية بدلاً من خوض هجمات برية واسعة النطاق.

ويعتقد بعض المحللين أن هذا التوجه يهدف إلى تعزيز صورة أوكرانيا كطرف قادر على المبادرة وتحقيق الإنجازات رغم تعثر الجبهات التقليدية.

ورغم النجاحات الأخيرة، يؤكد خبراء عسكريون أن طبيعة الحرب لم تتغير جذرياً.

حرب استنزاف طويلة

فالصراع لا يزال يُدار وفق منطق الاستنزاف المتبادل، حيث يسعى كل طرف إلى إنهاك الآخر عسكرياً واقتصادياً ونفسياً على المدى الطويل.

وفي هذا الإطار، لا تستهدف الضربات الأوكرانية على موسكو والقرم تحقيق انتصار عسكري مباشر بقدر ما تهدف إلى رفع كلفة الحرب على روسيا وإجبارها على تخصيص موارد إضافية للدفاع عن العمق الروسي وخطوط الإمداد الحيوية.

كما تسعى كييف إلى توجيه رسالة مفادها أن استمرار العمليات الروسية سيقابله تصعيد مماثل داخل الأراضي الروسية نفسها.

ويرى محللون أن الهدف النهائي لهذه العمليات قد لا يكون استعادة الأراضي بالقوة العسكرية فقط، بل تعزيز الموقف التفاوضي لأوكرانيا في أي محادثات مستقبلية مع موسكو.

ومع ذلك، لا تزال روسيا متمسكة بشروطها الأساسية، بما في ذلك الاحتفاظ بالمناطق التي تسيطر عليها وضمان حياد أوكرانيا وتقليص قدراتها العسكرية.

وفي ظل هذا الجمود، تتجه الأنظار إلى الولايات المتحدة، التي تبقى العامل الأكثر تأثيراً في مسار الحرب.

فمستقبل الدعم العسكري والمالي الأمريكي لكييف، وموقف إدارة الرئيس دونالد ترامب من استمرار المساعدات، سيشكلان عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت أوكرانيا قادرة على تحويل نجاحاتها التكتيكية الأخيرة إلى مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.

وبينما تبدو كييف أكثر نشاطاً وثقة مما كانت عليه في بداية العام، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن الحرب لا تزال بعيدة عن الحسم، وأن الصراع مستمر ضمن معادلة معقدة من الاستنزاف والضغوط المتبادلة، حيث تسعى كل من موسكو وكييف إلى تحسين موقعها قبل أي تسوية سياسية محتملة.