لا تنجم غالبية أفكار الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تفكُر وتروٍِّ مسبق، بقدر ما هي أفكار فورية سرعان ما تترجم بمواقف صريحة كما عودنا دائماً. لا يقلل هذا من أهمية تصريحاته، نزقاً كانت أو ارتجالاً، لأن الرجل يستميت في الدفاع عن آرائه وترجمتها عملياً. من هذه الأفكار ما قاله ترامب على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، إنه اقترح على إسرائيل أن “تترك سورية تتولى أمر حزب الله.. وأن السوريين يقومون بعمل أفضل”. ثم جدد تأكيده على هذه المسألة في اليوم التالي، حين قال إنه تحدث فعلاً مع الشرع بشأن حزب الله. وليست هذه هي المرّة الأولى التي يتحدث ترامب فيها عن تدخل سوري في لبنان، ففي مارس/ آذار الماضي، طلب مباشرة من الرئيس السوري، أحمد الشرع، نشر قوات في شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله، لكن دمشق أبدت تردّدا ورفضت هذا.

ليست أهمية تصريحات ترامب هذه في إمكانية ترجمتها إلى واقع ملموس، فهذا غير ممكن في الظروف الحالية، وإنما الأهمية في دلالاتها وردة الفعل عليها. إذ تكشف الفشل الإسرائيلي في القضاء على القدرة العسكرية لحزب الله (على الرغم من التراجع الحاد لقدرته العسكرية مقارنة بما كانت عليه قبل عملية طوفان الأقصى)، والقضاء على الحزب مؤسسة متماسكة، وقد أظهرت الشهور الأخيرة تماسكه وقدرته على توجيه ضربات إلى إسرائيل، وعلى الاشتباك مباشرة مع الجيش الإسرائيلي في الجنوب وتكبيده خسائر بشرية. وقد عبر ترامب عن خيبة أمله بقوله صراحة إنه “غير راض” عن طريقة تعامل إسرائيل مع لبنان وحزب الله، حيث “كان على إسرائيل أن تكون قادرة على إنجاز المهمّة بشكل أسرع”. ويلفت الانتباه في كلام ترامب أنه جاء أياماً ليس فقط بعد نفي الشرع شائعات عن إمكانية تدخل سوري في لبنان فحسب، بل أيضاً تأكيده أن بلاده لن تكرّر ما فعله نظام الأسد.

لماذا إذاً كرّر ترامب تصريحاته مرّتين بعد الرفض السوري على لسان الشرع؟ قد لا نمتلك إجابة ذات منطق سياسي، وعلى الأغلب لا نمتلكها. ما يهمنا هنا الموقف الذي أعلن رئيس الجمهورية، وجدّده ثانية، حين قال في مقابلة تلفزيونية مع قناة المشهد الإخبارية إن “سورية لن تتدخل في لبنان إلا بناءً على طلب الحكومة اللبنانية”. لكن ما أضافه الشرع بعد هذا الرفض يستحق التوقف، إذ قال إنه منفتح على الجلوس مع حزب الله.. وإذا كان التدخّل السوري يخدم مصالح لبنان وسورية، فهو منفتح على الجلوس مع حزب الله.

لا يبدو أن مسألة التدخل السوري في لبنان حسمت نهائيّاً، رغم تأكيدات الشرع.

ثمة ثلاث نقاط هنا: أولاً، بالنسبة إلى الشرع، أثبتت التجارب التاريخية السابقة أن أي تدخل خارجي في لبنان من دون طلب لبناني رسمي بذلك، سيجعل لبنان يعيش في الدوامة نفسها التي يعيشها منذ الحرب الأهلية اللبنانية. ثانياً، التدخّل السوري (لو حصل) لن يكون عسكرياً، وإنما سياسياً مبنياً عبر بوابة الدولة اللبنانية حصراً، حتى مع حزب الله نفسه. وبهذا المعنى، سيكون التدخل السوري تحت عنوان الوساطة أو الرعاية. ثالثاً، يشير هذا إلى إحداث قطيعةٍ مع الرؤية السياسية لدمشق، الرؤية التي حكمت علاقتها مع لبنان في العقود الخمسة الماضية، حين كانت سورية مع الأسديْن تنظر إلى لبنان خاصرة رخوة، وجزءاً من الكيان السوري من دون أن يُعلن هذا رسمياً.

رابعاً، بعيداً عن طبيعة الوضعين، السوري واللبناني، لا يرغب الشرع في الظهور بمظهر من يقدّم خدماتٍ لإسرائيل على حساب طرف عربي، مع ما في هذا من أثر سلبي على سمعته في العالم العربي بشكل عام والداخل السوري بشكل خاص.

على الرغم مما تقدّم، قد لا يبدو أن مسألة التدخل السوري في لبنان حسمت نهائيّاً، رغم تأكيدات الشرع، فعندما سُئل ترامب عن موقف سورية، أجاب أنه سيتحدث عن هذا لاحقاً، ما يعني أن المسألة لم تنته عنده بمجرّد النفي السوري الرسمي في المرّة الاولى، وهنا مكمن الخطورة، إذا ينظر الأخير إلى سورية لاعباً جديداً في الفلك الأميركي. ولم تكن مصادفة أن يكرّر ترامب أكثر من مرّة أن الشرع لم يكن بإمكانه الوصول إلى السلطة من دونه، على ما في ذلك من ترميز سياسي، مفاده بأن سورية الجديدة مُطالبة بلعب دور إقليمي ينسجم مع الرؤية الأميركية للمنطقة. وأهم ساحة، في نظر ترامب، يمكن أن تلعب فيها سورية هذا الدور لبنان، بحكم الجغرافيا أولاً، وبحكم الخبرة السورية الطويلة تاريخياً بالشؤون اللبنانية ثانياً، وما فشلت إسرائيل في تحقيقه يمكن لسورية تحقيقه بأقل الخسائر.

لا يرغب الشرع الظهور بمظهر من يقدّم خدماتٍ لإسرائيل على حساب طرف عربي.

هنا، قد يُنظر إلى كلام الشرع “سورية قد تتدخل في لبنان سياسياً” كأنه نوع من تخفيف حدّة النفي السوري، في نوع من الذوق السياسي تجاه ترامب، كي لا يظهر الأخير بمظهر “الغبي سياسياً”، ولكن أيضاً يُمكن النظر إلى كلام الشرع أنه حل وسط بين مطالب ترامب بالتدخل العسكري والرفض السوريين.

على مستوى تداعيات تصريحات ترامب، تبرزُ مفارقة سياسية متمثلة في رفض الأطراف الرئيسية الثلاثة (إسرائيل، لبنان، سورية) فكرة هذا التدخل، وفيما عبر لبنان عن رفضه الفكرة، جاءت ردة الفعل الإسرائيلية فجّةً عندما قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس إن “إسرائيل ليست بحاجة إلى الجولاني، الإرهابي ببدلة، وأنها تقوم بالعمل بنفسها”. لا يتعلق الأمر بالقدرة وعدم القدرة، بل برفض رؤية سورية (الإخوانية من وجهة نظر إسرائيل) داخل لبنان، مع ما قد ينجم عن هذا من إعادة بناء لتحالفات جديدة داخل لبنان، قد لا تصبّ في مصلحة إسرائيل، لا سيما أن البُعد أو الحضور التركي ربما يكون جزءا من هذا التدخل بطريقة أو بأخرى.

في عالم السياسة المتغير، لا وقائع ثابتة ولا مواقف ثابتة، فما قد يكون اليوم محالاً يصبح غداً إمكانية، وما كان إمكانية يصبح واقعاً قائماً. وضمن عالم السياسة هذا، قد ينجح ترامب في إجراء صفقة كبرى بين سورية وإسرائيل والدول العربية الفاعلة لإيجاد صفقة قد تشكل غطاءً لسورية للتدخل في لبنان، وإن كان هذا التدخل غير ممكنٍ في المرحلة الحالية وفي المدى المنظور، نظراً إلى افتقار سورية للمقومات اللازمة لمثل هذا النوع من التدخل، الذي يتطلب خبرة كبيرة في التفاوض وشخوصا محترفة، كما هو الحل في دولة قطر على سبيل المثال، حين امتلكت خبرة تفاوضية قاربت الثلاثة عقود، ونجحت في ملفات كثيرة ومعقدة في تحقيق النجاح، لكنها فشلت في لبنان كغيرها. ولهذا لبنان بحاجة إلى حلول إبداعية وفق توصيف الشرع.