أصبحت قضية شيخوخة السكان في تونس قضية عامة بعد صدور أحدث بيانات التعداد السكاني، حيث تمثل نسبة الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً 17% من السكان، ما يجعل تونس الدولة الأفريقية الأسرع في معدّل الشيخوخة: فقد تضاعفت هذه النسبة ثلاث مرات في عشر سنوات. وتسعى البلاد جاهدةً للتكيف مع هذا الواقع الديمغرافي الجديد على الصعيدين، الاجتماعي والصحي. ويستمر معدّل إنجاب الأطفال لكل امرأة في تونس بالانخفاض، مقترباً من مستوى الاستبدال الجيلي، حيث يبلغ معدل الخصوبة الحالي نحو 1.7 طفل لكل امرأة، والنتيجة المتوقعة واحدة: شيخوخة عامة للسكان.

المفارقة أن ما بدأ سياسة إلزامية صارمة لتحديد النسل على النمط الصيني لدولة ما بعد الاستقلال زمن حكم بورقيبة، تحوّل إلى أسلوب حياة لدى عامّة الناس، لأسباب اقتصادية واجتماعية تتعلق بغلاء المعيشة وغياب التغطية الاجتماعية، في ظل عجز صناديق التأمين على المرض والتقاعد والضمان الاجتماعي.

ويثير اتجاه الهيكل الديمغرافي في البلاد نحو التهرّم جملة من المخاوف المتعلقة بالمجتمع وبالصحة العامة، ولها انعكاساتها على السياسة والاقتصاد. وإذا كانت منظّمة الصحة العالمية تعرّف مفهوم الصحة العامة بأنها “علم وفن الوقاية من الأمراض، وإطالة العمر، وتحسين الصحة العقلية والبدنية والحيوية للأفراد”، فهذا يؤكد، بشكل قاطع، الضرورة القصوى للسيطرة على الشيخوخة وأعراضها لضمان رفاهية الإنسان من خلال الرعاية الشاملة. يصبح الأمر حينها متعلقًا بزيادة (أو تحسين) القدرات العقلية والبدنية للإنسان أو حيويته. باختصار، ما لم يكن المرء ميؤوساً من حياته، المطلوب توفير أفضل الشروط الحياتية لكل الأفراد من دون تمييز.

تونس غير مستعدّة لمواجهة الأزمة الوشيكة المرتبطة بشيخوخة سكانها.

لا تزال القدرة على تمويل الحماية الاجتماعية لكبار السن في تونس، والتي ينبغي أن تستند إلى رؤية استراتيجية وإرادة سياسية، تشكل تحدّياً. وتوجد حلول تراوح بين زيادة تعبئة الموارد الوطنية من خلال الضرائب والإجراءات المبتكرة في أنظمة التحصيل والإدارة، ودعم الشركاء الدوليين للمبادرات التجريبية والإعانات الموجّهة، وإدراج القطاع الخاص في أنظمة التأمين الاجتماعي. مع ذلك، يعتمد تطبيق الحماية الاجتماعية لكبار السن على عدة شروط أساسية. أولها قدرة الدولة على حشد الخبرات البشرية والفنية اللازمة لفرض الضرائب واستخدام عائداتها لتمويل الحماية الاجتماعية. ومن الضروري أيضاً التخطيط لربط التأمين الصحي بمزايا التقاعد لضمان الأمن المالي اللازم للأفراد، طوال حياتهم العملية وما بعدها، للحصول على الرعاية الصحية. علاوة على هذا، سيكون من الضروري الجمع بين الاشتراكات المفروضة على دخل العاملين في القطاع العام (لتمويل التأمين الصحي وحقوق التقاعد) والتمويل العام للعاملين في القطاع الخاص، والعاطلين من العمل، والفئات السكانية الضعيفة بمعناها الأوسع (مثل النساء غير المتزوجات والأشخاص ذوي الإعاقة). ولتحقيق هذا، يجب النظر في مصادر تمويل أخرى، وهو ما لا يتوفر حالياً في ظل الأزمة الحادّة التي تعيشها الصناديق الاجتماعية في تونس.

لم يكن تباطؤ النمو الديمغرافي في تونس حدثاً مفاجئاً، بل كانت بوادره تلوح منذ بداية الألفية الثالثة، غير أن الحكومات المتعاقبة لم تُولِ الأمر أي أهمية، وبدلاً من حالة الإنكار الرسمي، كان من الضروري تحديث نموذج النمو الاقتصادي مع ازدياد أعداد كبار السن فيها. علاوة على ذلك، كانت السياسات العامة المتعلقة بالشيخوخة يجب أن تتضمّن التكيف اللازم مع تغير المناخ، ويتطلب هذا إنشاء أنظمة إنذار مبكر خاصة بكبار السن، وأدوات تشخيصية لتقييم آثار الظواهر الجوية المتطرفة على الفئات السكانية الأكثر عرضة للخطر، مثل كبار السن، وهو ما تعمل به الدول الأوروبية على سبيل المثال.

بدلاً من حالة الإنكار الرسمي، كان من الضروري تحديث نموذج النمو الاقتصادي مع ازدياد أعداد كبار السن فيها.

على الرغم من هذه التحدّيات، يُمثل كبار السن في تونس مورداً بشرياً واجتماعياً هاماً. فهم يحملون ذاكرة العائلات والتقاليد والمجتمع. ويظل كثيرون منهم نشطين حتى بعد بلوغهم السبعين: تجاراً، وحرفيين، ومزارعين، وخبراء. وفي المناطق الريفية، يلعبون دوراً محورياً في نقل المعارف الزراعية والثقافية. وفي المدن، يشاركون في تعليم الأحفاد، وغالباً ما يكونون في الصفوف الأمامية عندما يعمل الآباء أو يهاجرون. مع هذا، لا يُقدَّر هذا الإسهام دائماً حق قدره. فغياب السياسات والبرامج العامة المخصّصة لتعزيز المعارف التقليدية يعني أن هذا الإرث يتلاشى.

في نهاية المطاف، تشهد تونس ازدياداً في نسبة كبار السن، وهي غير مستعدّة لمواجهة الأزمة الوشيكة المرتبطة بشيخوخة سكانها. وفي مقابل حالة التسارع نحو التهرّم التي تشهدها الديمغرافيا التونسية، تشهد القارّة الأفريقية التي تنتمي إليها حالة من التزايد السكاني والخصوبة العالية، وهذا العامل كان دافعاً لحالة من التوجس من أفواج المهاجرين الأفارقة. المشكلة أن الجهات الرسمية عوضاً عن البحث عن حلول للأزمة، تدفع نحو مزيد من الانكفاء على الذات وتجاهل المشكل والاكتفاء بموقع المتفرّج السلبي المتذمّر العاجز عن التعامل مع الواقع المتغير.