بين ارتفاع أسعار الوقود، وإغلاق مسارات جوية حيوية، وتراجع ثقة المسافرين بفعل تداعيات حرب إيران، واجه قطاع الطيران العالمي واحدة من أصعب فتراته خلال السنوات الأخيرة.
لكن في الخليج، سارت القصة بشكل مختلف.
فبينما أعادت شركات طيران دولية حساباتها التشغيلية، واصلت الناقلات الخليجية التوسع وإطلاق وجهات جديدة والإعلان عن استثمارات إضافية، في مشهد يعكس قدرة لافتة على التكيف مع الأزمات. ويؤكد خبراء لـ«إرم بزنس» أن الدعم الحكومي والملاءة المالية القوية ساهما في حماية القطاع، مع توقعات بأن يكون من بين الأسرع تعافياً حال ترسخ الاستقرار في المنطقة.
صمود يتواصل رغم توترات المنطقة.
عقب بدء إيران شن هجمات عدائية على الخليج في 28 فبراير، تأثرت مطارات خليجية من بينها دبي أكثر المطارات الدولية ازدحاماً في العالم، وأبوظبي والكويت والدوحة والمنامة والرياض، وشهدت الرحلات الجوية عالميا تقليصاً مع ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير جراء الإغلاق الفعلي لـ«مضيق هرمز»، وزيادة سعر الكيروسين أكثر من ضعفين.
ورغم تلك التحديات، أشاد الاتحاد الدولي للنقل الجوي «إياتا»، بصمود شركات الطيران في الخليج، وفق ما ذكر كامل العوضي، المدير الإقليمي للاتحاد لمنطقة إفريقيا والشرق الأوسط، للصحفيين في الجمعية العامة للمنظمة يوم 6 يونيو الجاري، مضيفاً أن شركات الخليج تملك الوسائل اللازمة لتجاوز هذه الأزمة، وتسمح احتياطاتها النقدية بذلك.
قصص صمود تجاوزت كل الظروف.
يؤكد الخبير الاقتصادي القطري عبد الله الخاطر، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «شركات الطيران الخليجية بالفعل استطاعت كتابة قصص صمود بالبحث عن منافذ وحلول تشغيلية بديلة في فترات وتوقيتات مختلفة وواجهت الظروف الصعبة بالمنطقة التي أثرت بشكل مباشر على الكثير من الأوضاع التشغيلية عالمياً»، محذراً من أن هذه الصعوبات قد تزداد بشكل كبير خلال الأسابيع القادمة إن لم تتوقف المواجهات بالشرق الأوسط.
وتميزت الخطوط الخليجية بحسب عبد الله الخاطر بـ«الواقعية الشديدة في قراءة الواقع بدقة، وأطلقت عروضاً وأضافت خطوطاً ووجهات جديدة مما مكنها من تجاوز مطبات تشغيلية كبرى كادت أن تعصف بالعديد من شركات الطيران العالمية الأخرى وتجنبت المصير الصعب الذي واجهته ناقلات أخرى حول العالم حيث تعرضت لأزمات مالية خانقة».
وحول مدى حاجة قطاع الطيران الخليجي لمزيد من الدعم الحكومي في حال طال أمد الأزمة، قال الخبير الاقتصادي القطري، إن هذا الاحتمال يبقى وارداً وبقوة لاسيما الأسابيع القليلة المقبلة، موضحاً أنه حال عدم التوصل إلى حل للأزمة، سيكون الدعم الإضافي ضرورة لا غنى عنها.
وأشار في هذا السياق إلى أن حكومات وأنظمة المنطقة تمتلك طرقاً وقنوات متعددة لتقديم الدعم لشركات الطيران الوطنية دون الحاجة للظهور المباشر، مثل خفض التكاليف التشغيلية، من خلال تقديم إعفاءات وتسهيلات في الرسوم التشغيلية، إلى جانب التخفيف من الأعباء الضريبية، لافتا إلى أن هذه الإجراءات تمنح الشركات قدرة عالية على خفض تكاليفها قبل الاضطرار لخيار ضخ أو دعم رأس المال المباشر.
وتوقع الخاطر أنه بمجرد زوال التهديدات ستشهد المنطقة ارتدادة اقتصادية وتجارية قوية جداً، وسيستفيد قطاع الطيران الخليجي من هذا وسيكون الأسرع تعافياً مع إقبال سياحي كبير وزيادة حركة المسافرين، مؤكداً أن «نجاح الخطوط الخليجية في صمودها الحالي سيهيئ لها الأرضية لتحقيق ارتدادة تشغيلية سريعة وتعاف قوي يمكنها التعويض السريع».
أغلى العلامات التجارية لشركات الطيران عالمياً في 2026.المصدر: إرم بزنس.
تأثيرات متفاوتة.
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي العماني، خلفان الطوقي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن واقع قطاع الطيران والسياحة عالمياً شهد تأثيرات متفاوتة جراء الحرب بالمنطقة، لكن «الطيران الخليجي بشكل عام يحظى بالدعم الحكومي نظراً للملاءة المالية للدول، وهي ملاءة تمكن هذه الشركات من الصمود وتحمل الأعباء لبضعة أشهر».
وهذه الملاءة المالية المتوفرة تعدّ، بحسب الطوقي، أحد عاملين أساسيين يمنحان دول الخليج قدرة على التحرك بنفس أطول مقارنة بالآخرين، بخلاف أن دولها منتجة للنفط، مما يمنحها مرونة أكبر، وهذا يجعاها قادرة على الاستمرار.
وخلص الطوقي، إلى أن نموذج العمل المطبّق في بعض دول الخليج، يمنح هذه الشركات أفضلية تنافسية كبرى للاستمرار، داعياً لمزيد من دعم العوامل التشغيلية التي تجعل نفس القطاع الخليجي أطول.
أرقام تعزز الصمود الخليجي.
لم يمنع الواقع المتدهور من كتابة شركات الطيران بالخليج وفي المقدمة الإماراتية، شهادات صمود ونجاح حيث أعلنت مجموعة الإمارات، المالكة لأكبر شركة طيران في الشرق الأوسط، في 7 مايو الماضي عن تحقيقها نمواً سنوياً في صافي أرباحها بنسبة 3%، ليبلغ 5.7 مليار دولار، رغم الحرب وتداعياتها.
وقالت الناقلة الإماراتية العملاقة «طيران الإمارات» في بيان حديث إنها نقلت خلال شهري مارس وأبريل 4.7 مليون مسافر، رغم العمل بجدول رحلات مخفض، لافتة إلى أنها استأنفت خلال الأسابيع الماضية خدماتها تدريجياً لتصل حالياً إلى تشغيل 96% من شبكتها العالمية، في أعقاب دخول الهدنة.
وفي 9 يونيو، أكدت «طيران الإمارات» جاهزيتها لإطلاق رحلات يومية إلى مدينتي برلين وشتوتغارت الألمانيتين، مؤكدة التزامها باستثمار أكثر من 100 مليون يورو سنوياً لتشغيل هذين الخطين الجديدين، وفق ما أفادت وكالة أنباء الإمارات (وام).
وباليوم ذاته، أكد تيم كلارك، رئيس شركة «طيران الإمارات»، لـ«رويترز»، أن الشركة ستطلق حوافز تهدف إلى استعادة العملاء القلقين من استمرار الحرب في إيران، مع التركيز على رفع درجة الثقة ودعم العملاء بدلاً من الأسعار المنخفضة.
وأضاف أن «طيران الإمارات» لا تزال تأمل في موسم صيفي جيد، متوقعاً أن تنخفض أسعار النفط في نهاية المطاف من نحو 90 دولاراً للبرميل إلى قرابة 70 دولارا، مضيفاً: «عندها سنعود، لكنها مسألة وقت».
كما أطلقت السعودية ناقلتها الوطنية الثانية «طيران الرياض»، في 10 يونيو، للعاصمة البريطانية، وبعد لندن، تعتزم الناقلة التي تأسست عام 2023 إضافة القاهرة ودبي ومدريد ومانشستر إلى وجهاتها بحلول أواخر يوليو المقبل.
وقالت مجموعة الخطوط الجوية القطرية، المملوكة للدولة، في مايو الماضي، إن المجموعة الخليجية تهدف إلى توسيع نطاق شبكتها لتشمل أكثر من 160 وجهة بحلول صيف العام الجاري.

