في السنوات الأخيرة، لم تعد العلاقات الإنسانية تعتمد فقط على اللقاءات المباشرة والتواصل الواقعي، بل ظهر نمط جديد من الارتباط يعتمد بشكل أساسي على التواصل الرقمي. وأصبح كثير من الأشخاص يحصلون على قدر كبير من الإشباع العاطفي من خلال الرسائل والمحادثات الإلكترونية، حتى وإن كانت العلاقة نفسها غير واضحة أو غير مكتملة.
يطلق بعض المختصين على هذه الظاهرة “الإشباع العاطفي الرقمي”، وهي حالة يشعر فيها الفرد بالراحة والاهتمام والتقدير من خلال التواصل عبر الهاتف أو وسائل التواصل الاجتماعي، دون وجود علاقة حقيقية ومتوازنة على أرض الواقع.
تكمن المشكلة في أن الدماغ لا يميز دائمًا بين الاهتمام الحقيقي والاهتمام الافتراضي. فعندما يتلقى الشخص رسالة صباحية، أو كلمات إعجاب، أو ردودًا سريعة ومتكررة، يفرز الدماغ مواد كيميائية مرتبطة بالشعور بالسعادة والارتباط. ومع مرور الوقت، يبدأ الشخص في التعلق بالمشاعر التي تمنحه إياها هذه المحادثات أكثر من تعلقه بالشخص نفسه.
وهنا تظهر مفارقة مهمة؛ فقد يشعر الإنسان بأنه محبوب ومفهوم ومقدَّر، بينما في الحقيقة لا توجد علاقة واضحة أو التزام حقيقي أو حتى نية لبناء مستقبل مشترك. فيصبح مرتبطًا بالإحساس الذي تمنحه له العلاقة أكثر من ارتباطه بواقع العلاقة نفسها.
كما أن الإشباع العاطفي الرقمي قد يدفع بعض الأشخاص إلى البقاء سنوات داخل علاقات غامضة. فهم يحصلون على جرعات متقطعة من الاهتمام تكفي لإبقائهم متعلقين، لكنها لا تكفي لبناء علاقة صحية ومستقرة. فيتحول التواصل إلى وسيلة لتسكين الوحدة بدلًا من حلها.
ولا يعني ذلك أن العلاقات الرقمية سيئة بطبيعتها، فالكثير من العلاقات الناجحة بدأت عبر الإنترنت. لكن الفرق يكمن في وجود خطوات حقيقية نحو التقارب والوضوح والالتزام. أما عندما يصبح التواصل مجرد تبادل للمشاعر دون تقدم فعلي، فقد يتحول إلى دائرة من الانتظار والتعلق والاستنزاف النفسي.
لذلك من المهم أن يسأل الإنسان نفسه بين الحين والآخر: هل أنا متعلق بهذا الشخص فعلًا؟ أم أنني متعلق بالشعور الذي تمنحه لي رسائله؟ وهل هذه العلاقة تتطور نحو شيء حقيقي؟ أم أنها فقط تمنحني جرعات مؤقتة من الراحة تمنعني من مواجهة احتياجاتي العاطفية بشكل صحي؟
إن الوعي بهذه الأسئلة قد يكون الخطوة الأولى نحو بناء علاقات أكثر نضجًا ووضوحًا، تقوم على الحضور الحقيقي والاهتمام المتبادل، لا على مجرد الإشباع المؤقت الذي توفره الشاشات
الكاتب : خبير في العلاقات الاسريه

