تدخل جزيرة غرينلاند، على طريق تقاطع المقاربة اليابانية مع استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الرامية إلى تقليص النفوذ الصيني في سلاسل الإمداد الحيوية وتأمين البدائل للمواد الاستراتيجية الحساسة وفي صدارتها المعادن النادرة وفرض الهيمنة على الممرات المائية، في ظل تعزيز شبكة الحلفاء في مواجهة التنافس المتصاعد مع بكين وموسكو.

وتذهب طوكيو للتكامل مع واشنطن في هذه الاستراتيجية، في وقت تستعد فيه اليابان، لإرسال وفد حكومي إلى غرينلاند التي تتمتع بالحكم الذاتي وتتبع التاج الدنماركي، والاجتماع مع المسؤولين بحكومة الجزيرة، لتقييم إمكانية استخراج المعادن الأرضية النادرة.

 ويكشف التحرك الياباني، أن الجزيرة لم تعد مجرد إقليم قطبي بعيد، بل أصبحت عقدة في صراع عالمي على الموارد والممرات والنفوذ، خصوصا بعد تصريحات ترامب بضمها، مما يدفع طوكيو إلى الاصطفاف مع الرئيس الجمهوري، لتحقيق خطوات ليست ذات أهداف استراتيجية واقتصادية فقط، ولكن تتعلق بالأمن القومي أيضا لـ”الساموراي”.

ويتصاعد الاهتمام الدولي بالجزيرة، في ظل زيادة الطلب الدولي على نوعية المعادن النادرة المنتشرة في باطن أراضيها، والمستخدمة في الصناعات الدقيقة والتكنولوجيا الحديثة وصناعة البطاريات والطاقة المتجددة، في وقت أدى فيه التغير المناخي إلى ذوبان الجليد، مما فتح آفاق جديدة للوصول إلى الموارد الطبيعية بالإضافة إلى أهمية الممرات البحرية بالقطب الشمالي.

الهيمنة الصينية.

ومن طوكيو، قال الخبير في العلاقات الدولية، الدكتور طلعت سلامة، إن غرينلاند لم تعد مجرد إقليم تابع لمملكة الدنمارك في أقصى الشمال بل أصبحت نقطة تحول في معادلات الطاقة العالمية والمعادن والممرات البحرية المستقبلية، مما نقل تصنيفها كمنطقة هامشية إلى عنصر فاعل في معادلة القوة العالمية.

وأوضح لـ”إرم نيوز”، أن تحرك طوكيو استثماريا للبحث عن المعادن النادرة بالجزيرة الدنماركية، قائم على دوافع اقتصادية واستراتيجية، أبرزها تقليل الاعتماد على الصين المهيمنة على جزء كبير من إنتاج وتكرير هذه العناصر.

وتستهدف اليابان بذلك أيضا، تأمين احتياجات صناعاتها المتقدمة خاصة في مجال الروبوتات والإلكترونيات والسيارات الكهربائية مع تنويع مصادر الإمداد وتقليل مخاطر الإضراب في سلاسل التوريد العالمية وتعزيز القدرة التنافسية لاقتصادها في ظل اشتداد المنافسة التكنولوجية الدولية.

وأشار الدكتور سلامة، إلى أنه بالرغم من الطابع الاقتصادي الواضح لتحرك طوكيو إلى غرينلاند، إلا أنه لا يمكن فصل ذلك عن السياق الجيوسياسي الأوسع الذي يجمعها بواشنطن، بالإضافة إلى السعي في الاستقلال الاقتصادي والتكامل الاستراتيجي مع المعسكر الغربي، بعد أن أخذت الجزيرة موقع الاهتمام بالخطاب الأمريكي.

وأوضح أن التحرك الياباني يأتي ضمن سباق دولي حول الجزيرة، يصاحبه إعادة طوكيو تعريف أمنها الاقتصادي وخطوطه الجغرافية، لاسيما أن مواردها الطبيعة محدودة إلى حد ما مما يجعلها تستورد الكثير منها.

 وتنظر طوكيو مع تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، إلى أمنها الاقتصادي باعتباره امتدادا مباشرا لأمنها القومي ولذلك تعمل على بناء شبكة إمدادات عالمية متعددة المصادر تمتد عبر آسيا وإفريقيا وصولا إلى القطب الشمالي، لتقليل المخاطر وضمان استدامة نموها الصناعي والتكنولوجي.

وخلص الدكتور سلامة، بأن التوجه الياباني نحو غرينلاند، تحول أعمق في بنية الاقتصاد السياسي العالمي حيث تحولت الجغرافيا من كونها مجرد مساحة ثابتة لتصبح عنصرا مركزيا في إعادة توزيع القوة والنفوذ، وسط توقعات بتحول القطب الشمالي إلى أحد أهم ساحات الصراع الاستراتيجي السنوات المقبلة.

يأتي ذلك في الوقت الذي سلطت فيه التصريحات المثيرة للجدل من ترامب، بشأن إمكانية ضم غرينلاند، الضوء على أهميتها الاستراتيجية باعتبارها موقعا للرقابة العسكرية بالقطب الشمالي وأيضا بوابة للممرات البحرية المستقبلية مع ذوبان الجليد ومخزون استراتيجي من المعادن النادرة، مما يجعلها نقطة ارتكاز في الصراع الجيوستراتيجي مع الصين وروسيا.

 غنية بالثروات.

ومن بروكسل، رأى الخبير في الشؤون الأوروبية، محمد رجائي بركات، أن غرينلاند التي تتبع الدنمارك، عضو الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي “الناتو”، والتي تتواجد سيادتها بين والحكومة المحلية للجزيرة وكوبنهاغن أيضا، بات لها أكثر من أهمية استراتيجية واقتصادية عالمية.

 وأوضح لـ”إرم نيوز”، أن اليابان اختارت البحث عن الاستثمار في الجزيرة بالمعادن النادرة بشكل رسمي بإرسال وفد للتشاور في ذلك مع المسؤولين المحليين لغرينلاند الغنية بالثروات.

ولفت بركات إلى أن الحكومة الدنماركية في الوقت ذاته، تعي جيدا وتعلم مطامع الولايات المتحدة ورغبة ترامب في ضم الجزيرة للحصول على الاستثمارات في الثروات الطبيعية والمعادن النادرة، وتنتبه جيدا لذلك، مهما تعددت الطرق.

وأفاد أن القرار النهائي في أي عملية استثمار في الجزيرة بيد الحكومة الدنماركية، فيما يتعلق بتوقيع اتفاقيات استثمارية، للتأكيد على سيادة كوبنهاجن مرارا على غرينلاند.