جدول المحتوى
.
قبل أن يبدأ الحوار مع الكاتب المغربي حسن برما، لا بد من التوقف أمام ذلك السؤال الذي يرافق كل كتابة صادقة كظلها الثقيل: من أين تأتي الكلمات حين تتشبع برائحة الجراح؟ ومن أين يستمد الكاتب قدرته على تحويل الخيبة إلى جمال، والهامش إلى مركز رمزي تتقاطع فيه مصائر البشر وأحلامهم المجهضة؟ وهل يكتب المبدع ما عاشه فقط، أم يكتب أيضا ما لم يستطع أن يعيشه، وما سُرق منه قبل أن يتحول إلى ذاكرة؟ وكيف تستطيع الكتابة أن تنقذ ما تبعثر من أرواح الناس في الأزقة المنسية، وأن تمنح صوتا لمن ظلوا عقودا طويلة خارج خرائط الاعتراف والإنصاف؟
في تجربة الكاتب حسن برما، لا تبدو الكتابة مجرد ممارسة جمالية أو تمرينا لغويا عابرا؛ ولكنها أشبه بحفر طويل في طبقات الصمت المغربي العميق. وهناك، في الحي المحمدي، بالدار البيضاء، حيث تختلط سيرة المدينة بسيرة المنسيين، وحيث تتجاور أحلام البسطاء مع خيباتهم، تشكل وعي كاتب اختار أن يصغي إلى أنين الأرصفة أكثر مما أصغى إلى ضجيج المنابر. ولذلك، فإن الاقتراب من عالمه الإبداعي هو اقتراب من جغرافيا كاملة من الأسئلة المؤجلة، ومن ذاكرة جماعية لا تزال تبحث عن لغتها الخاصة كي تروي ما تعرضت له من تهميش وقهر وإقصاء.
وهذا الحوار الذي تنشره جريدة هسبريس الإلكترونية، لا يعتبر مجرد حديث عن القصة والرواية والنقد والأدب، وإنما هو رحلة داخل وجدان كاتب ظل وفيا للهامش بوصفه قدرا جماليا وإنسانيا. وهي رحلة نحو مدينة تتحول في نصوصه إلى كائن حي ينزف ويتذكر ويحلم، ونحو شخصيات مسحوقة لا تستجدي الشفقة بقدر ما تفضح أعطاب العالم. وهو أيضا مواجهة صريحة مع أسئلة الثقافة المغربية، وأسوار المؤسسة النقدية، وتحولات الكتابة في زمن تتعرض فيه الكلمة لخطر الاستهلاك والتسليع.
وهنا يتكلم القاص والروائي حسن برما، بلسان العاشق والناقد والشاهد حين يتكلم بمرارة من خبر الهزائم، وبإيمان من لم يفقد ثقته في قوة الأدب. ومن بين شقوق الذاكرة والمدينة واللغة، ينبثق هذا الحوار على صفحات “هسبريس”، باعتباره شهادة على زمن كامل، واعترافا عميقا بأن الكتابة الحقيقية لا تولد من الطمأنينة؛ ولكنها من ذلك الجرح النبيل الذي يظل مفتوحا كي يضيء العتمة ويمنح المعنى للحياة.
نص الحوار:
منذ مجموعتك القصصية الأولى “ضمير الخائب” سنة 1993، بدا أنك تكتب من منطقة ظل، من الهامش الذي لا تصله الأضواء. هل اخترت الهامش موقفا جماليا أم فرضته عليك شروط ثقافية وسياسية لا تعترف إلا بالأصوات المتصالحة مع المركز؟
مبدئيا، الكاتب ابن بيئته، لم أكن في يوم ما من المركز وما ينبغي لي أن أكون، أنا ابن الحي المحمدي، قلعتي الدافئة حيث الاحتفاء بكل ما له علاقة بهامش هيمن على المركز بعناده الخلاق وتجاهله للدخيل المزيف، فيه ولدت وكبرت وعشت أجمل محطات حياتي، وإليه أعود..
وعليه، ليس مستغربا أن أظل وفيا لجذوري الهامشية، منسجما مع ذاتي، متصالحا مع ما ساهم في تكوين رؤيتي للعالم، رسولا لأحلام عشت كوابيسها بما ينبغي من الصمود والعناد، متكلما بأفراحه وأحزان جراحاته، مرتبطا به ارتباط عاشق صوفي يلهج بلغته وذائقته الفنية الموسومة بالتمرد، منذ وعيت أنني ابن حي منسي على هامش مركز حاز الاهتمام والحضور والحظوة؛ فيما اكتوى هامشي العزيز بنيران الحقد والعواصف واللامبالاة والقمع الممنهج، لا مركز كان لي حتى أهتم به، ولا هامش خذلني وخان انتظاراتي حتى أخونه، وفائي له جزء من دين أرده عن طيب خاطر بل وبحماس فعال يجعله يفوز على المركز المدعوم بنوايا الذئاب المفترسة وخططهم الخبيثة..
هامشي الجميل حتمية، واختيار جمالي فرضته عليَّ صدفة قدرية توقفت منها، وانحزت إليها رغم أنف البشاعات؛ وبالتالي هو مملكة وجود وعناد فيه تقاطعت كل روافد وطني الحبيب.
المدينة في قصصك ليست مجرد فضاء، ولكنها جرح مفتوح. كيف تشكل وعيك بالمدينة المغربية؟ وهل تراها مختبرا للتحولات الاجتماعية أم مسرحا لانكسارات الذات المغربية؟
هي هذا وهي ذاك، فضاء مهزوم استرسلت فيه الخيبات والانكسارات، مدينتي التي أدمنت الكتابة عنها جغرافيا مهملة في خريطة الجرح المرتبط بشروط تاريخية أساسها تفاصيل القمع والسجون تداعيات الرعب والحقد المشاع على كائنات هي في حقيقتها فروع شقاء تناسلت عن شجرة البؤس والفاقة وعار الانتماء إلى شريحة لا أحد اهتم بكوابيسها وانتظاراتها البئيسة.
وبهذا المعنى الواقعي والرمزي مدينتي هي دروب نسيان وأزقة عناد ودروب ركض متمرد يحلم بالخروج من كآبة سنوات الجمر والنسيان التعايش مع فجوات تضيئها شموع العدل والحرية واحترام آدمية الإنسان.
لذلك، احتفت كتاباتي بذاك التقسيم غير العادل، بين الهوامش والمركز، بين هامش براريك صفيحية وكاريانات تسلطن فيها الحلم البسيط مع ظلمة الواقع المزري وقلة ذات اليد، وبين مركز محظوظ استحوذ على عناصر الإبهار المخادع والجاذبية الكاذبة، بين سواد ملامح أفناها التهميش الإهمال والجوع والقمع وبين واجهات لجامعة هي فخاخ نصب تحكمها نزعات الافتراس والسرقة وامتصاص دماء المغلوبين على أمورهم..
وأخيرا، هي مدينة وعيت تفاصيلها وجراحاتها زمن الستينيات السبعينيات وثمانينيات القرن الميت، حيث ساد في الوجه الأول فقه الجمر والرصاص واحتقار ذوات البسطاء وفي الوجه الثاني زمن الحلم والثورة والتمرد والاحتجاجات مع أساليب القمع العنيفة.
يتكرر في نصوصك حضور شخصيات مسحوقة، قلقة، معلقة بين الحلم والخيبة. هل أنت كاتب الهزيمة الصامتة أم كاتب المقاومة الداخلية؟ وأين يتقاطع السياسي في هذا الاختيار السردي؟
ولدت ونشأت وعشت محطات حياتي بالحي المحمدي، تشكلت نظرتي إلى العالم من فضاءات مسحوقة موغلة في الفقر والحاجة. والحي المقدس كان ولا يزال يعيش تبعات التهميش المركب والحقد الطبقي المريض بالانتقام ممن آمنوا بالحلم وأدمنوا البحث عن كرامة مفقودة لم يسترجعوها رغم خروج المستعمر من البلاد.
فوق الممرات المتربة والمحيط الغارق في فوضى الإهمال، تحركت الكائنات الوافدة من جهات الوطن الأربع، هروبا من قسوة جفاف استوطن من ورثوا عن ذئاب الافتراس الأجنبية جشعها الخرافي وواصلوا سياسة السطو على خيرات الأرض المعطاء، واستولوا على الأرض والمكان والرمان، واقتفوا سياسة التجويع واحتكار الثروات وطرد كل من يقف في طريق افتراسه البشع.
وكان الحي وأمثاله ملاذا لمن ضاقت بهم الأحلام وأرغمتهم الكوابيس على الهجرة والرحيل عن البوادي والواحات والجبال والشواطئ. وبعد الرحلة، جلبوا معهم مظاهر بؤسهم وحنينا جميلا إلى ما يمكن أن يكون هويتهم المجروحة.
هذه هي للمدينة الحاضرة في كتاباتي ومعها بادية الحنين الموؤود.
عناوين مجاميعك القصصية تبدو كأنها بيانات شعرية مكثفة. كيف تختار عنوانا لكتابك؟ هل هو عتبة جمالية فقط أم إعلان موقف ضمني من زمنك؟
بالفعل، عناوين كتبي في القصة والشعر والرواية ذات نفس شعري وإيقاع، هذا الاختيار الإبداعي الموزون يمنح شحنة مفتوحة على تأويلات عديدة تثير فضول القاري المفترض وتغريه بالقراءة.
وغير خاف أنني أزاوج الكتابة، شعرا ونثرا، وأتحاشى الكتابة الإنشائية التقريرية اقتناعا مني بأن الأسلوب المباشر جاف يابس يولد ميتا بعد مخاض الكتابة ويجعلنا أمام جمل مقتولة المعنى والمبنى؛ في حين أن الكتابة الحقة هي بلاغة مجاز واستعارات وكناية وبنات عميقة لا تفتح مغاليقها إلا لمن عشق الخوض في بحار معانيها الممكنة.
ثم إن عملية اختيار العنوان لا تأتي منفصلة عن الكتابة نفسها، قد تتغير العناوين، وفي مراحل الإنجاز لا أستقر على عنوان محدد؛ لكني أطاوع حدَسي الفني أنصاع لصدف جميلة تهديني عناوين مفاجئة قد تأتي في البداية أو الوسط أو بعد الانتهاء من كتابة النص وتخزينه في ريبرطوار المكتوب، وبالإضافة إلى بعد العنوان الفني الجمالي يكون دليلا مرشدا لمضمون النص ومحتواه وذا إيحاءات تقول ولا تقول، تفتح شهية القارئ وتدعوه للإبحار في عوالم المدهش واللامتوقع.
ثمة من يرى أن كتاباتك لم تنل ما تستحقه من متابعة نقدية وإعلامية. هل تعتقد أن هناك تجاهلا ممنهجا لبعض الأصوات المستقلة في الأدب المغربي؟ أم أن العزلة جزء من قدر الكاتب الذي يرفض الاصطفاف؟
ليست كتاباتي وحدها من لم تنل اهتمام “النقد الرنان” بتعبير الفقيد مصطفى المسناوي، أسماء كثيرة اقتنعت بجدوى الكتابة، عشقت دروبها المتشابكة مع دروب الفنون الملتزمة بقضايا الإنسان الحق، زينت الساحة الثقافية بإبداعات تحترم الذائقة الأدبية ولا تستغبي القراء؛ لكن نقد العصابات والشللية لم يكلف نفسه عناء الاقتراب منها، وواصل اللعب في مسرحية رديئة لا تبالي سوى بإنشاءات المنتمين إلى شرذمة مرتزقة انتهازيين احتلوا الكراسي واستمالوا أقلاما جاهزة للبيع والشراء.
لو كنت بارون مؤسسة حزبية أو مسؤول كرسي جامعي يسهل على متسولي الانبطاح المرتزق الحصول على شواهد مدرسية فاقدة لطعم الاجتهاد لرأيت النقاد “ديال بلعاني” يتسابقون على كتبي ليفرغوا في جوف الملتقيات والمنتديات ما جادت به قريحة الارتزاق الخبيث، يتفننون في تقيؤ مديحهم الأعمى وإدمان نباح كلبي مسعور يحتفي بإنتاجاتي في مزاد سماسرة الأدب.
وللحقيقة والتاريخ، ما كتب عن نصوصي طيلة مسيرتي الأدبية رغم قلته يجعلني راضيا على من توسموا في نصوصي إضافات أغنت الأدب المغربي الخالد.
وعليه، لم أتسول قراءات مأجورة من أي كان، واصلت عشقي اللعنة البوح الفعال، ولم أنهزم أو أستسلم لفخاخ التهميش والتجاهل الخبيث إيمانا مني بمقولة “اللي عندو عندو” والعبرة بالخواتم. ما رفع نقد مرتزق نصوصا ميتة وما قتلت قراءة ماكرة نصا حيا.. علما أن الساحة الثقافية افتقدت نقاد زمن السبعينيات والثمانينيات الذين كانوا يعتبرون النقد الأدبي سلاحا من بين الأسلحة المهووس بنشر الوعي والذوق الجمالي. ومنذ أن صار النقد وسيلة للتقرب من أساتذة مبدعين ورؤساء تحرير وزعماء نقابة يسهلون على المبتدئين الحصول على شواهد الماستر والدكتوراه مات النقد ولم نعد نقرأ سوى الأمداح في إنتاجات أصحاب الكراسي والمواقع.
مواقفك من النقد الأدبي تبدو متحفظة أحيانا. هل ترى أن النقد المغربي واكب التحولات الجمالية للنصوص الجديدة، أم ظل أسير مفاهيم مدرسية لا تنصت إلى التجارب المختلفة؟
ليس سرا أني جئت إلى الكتابة الإبداعية من باب النقد الأدبي. نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، درست بكلية الآداب في الرباط عند أساتذة كبار لهم حضور متميز في الأدب والنقد أمثال محمد برادة وأحمد بوزفور وعبد الفتاح كيليطو ومحمد بنيس، إضافة إلى أني أنجزت بحثي لنيل شهادة الإجازة على يد أبي النقد الأدبي المغربي الأستاذ أحمد اليبوري.
توهمت أن تخصصي هو النقد الأدبي؛ لكن القصة القصيرة رمت بشباك إغرائها عليّ واصطادتني بسرعة. وما في الحكاية من جمال أني مارست الكتابة بوعي نقدي معاصر ومرجعيات جمالية استمدت عناصرها من نظريات نقدية بنيوية وشكلانية ووجودية. لذلك، تسللت الكثير من المواقف النقدية إلى نصوصي الإبداعية. والكثير من السخرية من أشباه نقاد توهموا محاكمة النصوص بأسلحة مصطنعة استعارت موادها من سرير بروست الحقير، عجزوا عن تمثل النظريات النقدية المتطورة واعتدوا على النصوص بوقاحة قل نظيرها؛ فلا هم كتبوا نقدا يحترم إبداعية الأدب ولا هم ارتاحوا وأراحوا جمهور القراء من لغط يمشي على جانب النص الإبداعي ولا يقترب من جوهره المفتوح على التأويلات الفاتنة.
من حظ نصوص سبعينيات القرن الماضي أنها عايشت أسماء نقاد محترمين ساهموا في فتح مغاليقها أمام قراء متعطشين لأدب مغربي يحترم ذكاءهم وتطلعاتهم، أمثال إدريس الناقوري ونجيب العوفي وبعدهما سعيد يقطين وزهور كرام. والأجمل هو أن العديد من المبدعين كانوا يزاوجون إبداعاتهم بإنتاج أعمال نقدية رائدة أمثال محمد برادة ومحمد بنيس وعبد الله راجع وأحمد بوزفور وأحمد المديني وغيرهم، والمنطق الثابت عندهم أن النقد الأدبي سلاح له فعالية مؤكدة في نشر الوعي بقيمة الأدب ودوره في تطوير الوعي والذوق الفني؛ لكن للأسف انطفأت حماسة النقد فيما بعد، وصارت القراءات النقدية في غالبيتها آراء ركيكة ومجاملات كاذبة تختفي وراء مفاهيم ومصطلحات لقيطة من نظريات أدبية باردة تقتل الأدب بدل أن تحييه، وصارت مزاعم النقاد مجرد نوايا قراءات ثلجية لا حياة فيها..
كيف تنظر إلى العلاقة بين القصة القصيرة والرواية اليوم في المغرب؟ هل لا تزال القصة فنا قادرا على زلزلة اليقين، أم أنها تراجعت أمام سطوة الرواية وسوقها؟
في وقت سابق، أُطلق على القصة لقب حسناء الكلام، وكثيرون اعتبروا الرواية ديوان العرب.. صحيح إنهما يتفرعان عن شجرة النثر والسرد الوارفة، يتقاطعان في اقتفاء آثار المحكي المعاش بتقنيات تختلف حسب التجنيس الأدبي. القصة حسناء فاتنة عصية على القبض تستعصي على من يستسهل الدخول إلى عوالمها المحروسة ومن لم يمتلك المعرفة والخبرة بخصائصها. قد يغري حجمها القصير أصحاب الإنشاءات الجافة والخواطر المراهقة بمحاولات الاقتراب من جنسها الصعب السهل.
ومن حيث التلقي، قد يتوهم البعض أن زمن الاستهلاك السريع يساعد في انتشار القصة اعتبارا لقصرها والتزام تقنيات التكثيف واقتصار حدث الكتابة والحكي على شخصية رئيسية وزمن له بداية ونهاية في فضاء محدد المعالم والتفاصيل؛ الأمر الذي يوحي بأنها سائدة في الساحة الثقافية وعشاقها في تزايد مستمر.. لكن الرواية، بسحرها المؤكد واتساع عوالمها والفضاءات التي تتحرك فيها شخصياتها وتشعب أحداثها، تفرض حضورها المتميز. القصة نهر غني بكنوزه الدفينة، حيث حسناء الكلام تكتفي بمكان واحد في جغرافيا معلومة وزمان محدد قد يكبر أو يضيق حسب تقنيات رصد التحولات المجتمعية وحركات بطل وحده يستحوذ على تقنية السرد والاختزال. والرواية بحر شاسع أمواجه تهدأ وتغضب حين تقتفي آثار حيوات شخصيات مخالفة تتحرك في جغرافيا التعدد وَتتقاطع مصائرها في مشتركٍ يتحكم في مسارات الحكي السرد والحكي. وعليه، لكل جنس عشاقه وأصفياؤه، والخلود للإبداع الحق ولهما معا بصرف النظر عن طبيعة زمن الاستهلاك السريع.
إلى أي حد تتقاطع تجربتك الإبداعية مع مواقفك السياسية؟ هل تفصل بين الكاتب والمواطن، أم ترى أن كل كتابة هي في جوهرها فعل سياسي، حتى حين تدّعي الحياد؟
من المفترض أن الصدق الفني يخدم طبيعة النصوصَ ويمنحها شرف التعبير عن واقع وحياة. في زمن الكتابة قد تتقاطع الكثير من المواقف الذاتية مع مواقف البطل وقد تعاكسها. وبما أننا نبني عالما قائما على التخييل واحترام تقنيات الجنس والتجنيس المؤكد أننا نبتعد قدر الإمكان عن موقفنا الشخصية ونحترم مسارات النص الإبداعي باعتباره حالة نفسية وذهنية خاصة وموقفا فكريا غير ملزم باقتفاء آثار مواقف السياسية.
وصحيح أن الإبداع انعكاس لواقع ما؛ لكنه ليس ملزما بالانحسار في زاوية ضيقة تقتل إبداعيته. الموقف السياسي شيء والرؤية الفنية شيء آخر. نادرا ما تجدني مضطرا إلى التحايل على طبيعة النص وتضمين بعضا من مواقفي الذاتية، وغالبا أختار الحديث عن شخصيات قريبة مني منتمية إلى شريحة الكادحين الأشقياء، وفي كل الحالات أكون وفيا لتقنيات التجنيس مبتعدا عن التعبير السياسي المباشر؛ وذلك احتراما لأدبية النص وطاعة لمقتضيات الكتابة التخييلية المعنية بالتحرر من ضيق التقرير الإيديولوجي الإنشائي والسفر مع رؤية الكلمة المشاغبة للعالم….
لكن ما سبق لا يعني الحياد الجبان من قضايا العصر، لا الحياد في التعبير الفني، والتموقف فنيا يكون مرآة من خلال اختيار نماذج بشرية معينة ورصد أحداث دالة؛ لأن الكتابة في هويتها وحقيقتها اختيار أدبي لتجربة فنية وانحياز إلى موقف نعمل على استثماره واحترام شرطه التاريخي وتطوير دلالاته.
وفي البداية والنهاية، نحن ملزمون باحترام أدبية النص وجنسه الإبداعي حتى لا تختلط علينا الأمور.
في زمن الوسائط الرقمية وتسليع الثقافة، كيف تحمي نصك من الابتذال؟ وهل تعتقد أن الأدب المغربي يعيش أزمة قراءة أم أزمة كتابة أم أزمة مؤسسات؟
نصي يحمي نفسه من خلال احترام ذكاء متلقيه وعدم هوسه بالانتشار والاستهلاك الغبي السريع. نعرف جميعا أن المتحكمين في تدجين الكلمة وجعلها سلعة استهلاكية عابرة تختفي آثارها وتندثر بسرعة؛ نعرف أنهم يعملون ويخططون على تمييع مجال الكلمة الإبداعية والتعتيم عليها بتشجيع التفاهات عبر نظام حماية وتربية ذباب إلكتروني يحتكر الوسائط الافتراضية والشوسل ميديا بهدف استغباء السذج وجعلهم كائنات عمياء تحركها الرغبات الحيوانية والمشاعر المصطنعة.
ولحسن الحظ هناك فئة منورة تعرف كيفية استعمال هذه الوسائط وتنظيم اختياراتها.. الأدب الراقي الجاد يحترم متلقيه ويحتمي بمناطق دافئة محروسة لا يقترب منها كائنات القطيع المتخلف، والأدب شئنا أو أبينا مادة نبيلة يدمنها أناس هم بمثابة نخبة واعية تتفاعل مع نصوصي الأدبية وتخلق لنفسها حيزا زمنيا ممتعا وخلاقا عن طريق قراءته بعين واعية فاحصة لا تلهث وراء المزيف المصطنع ولا تطاوع ماكينات التتفيه والتجميل..
وعليه، فقارئي المفترض تتوفر فيه خاصية احترام الأدب وطلب السفر في عوالمه الساحرة.. وعود على بدء الأدب المغربي المعاصر يعيش قدره الجميل ويواصل أداء مهمته التوعوية لإغناء ساحة التخيل بالجديد المفيد دون ادعاءات كاذبة أو أوهام انتشار جماهيري شعبوي. والحصيلة أن الأدب المغربي الرائد، ضدا في قرارات التضييق عليه ومحاصرته، لا يعيش أية أزمة في التلقي والانتشار؛ اعتبارا لكون جمهوره العاشق مشكل من نخبة قراء أوفياء يتابعون عناوين القصة والرواية والشعر تهدينا بما ينبغي من الحب والتقدير..
لو طلبنا منك أن تواجه نصوصك اليوم بلا مجاملة، ما الذي ستعترف به؟ هل ستدافع عنها بوصفها شهادة زمن، أم ستتهمها بالتقصير أمام ما كان ينبغي قوله ولم يكتب؟
حين أتأمل حصيلة البوح والحب الممتدة طيلة أكثر من عقود أربعة أجدني ممتنا لعشق صوفي جعلني أعيش تجربة الكتابة بما ينبغي من الاحترام والتقديس واحترام ذكاء المتلقي.
لم أحتقر الكلمة في يوم ما، ولم أجعلها مطية الارتزاق أو وسيلة للضحك على الذقون اقتناعا مني بأن الكلمة/ الكتابة سلاح نبيل ندخل بها ساحة البوح بهدف محاربة الجهل والظلم والفساد وفضح أعطاب الواقع الموبوء في أفق تغييره والحلم بما هو أحسن.
وعلى هذا الأساس، لست نادما على أي نص من نصوصي السابقة، كل واحد منها هو تجسيد لمحطة إبداعية مرهونة بشرطها التاريخي، وإن كنت أعتبر أن ما تحقق يمثل حصيلة عادية والقادم الآتي هو الجميل الأروع.
كلمة أخيرة لك..
شكرا لك على هذه الأسئلة الجميلة التي فتحت لي نافذة منها أطل على قراء مفترضين أشاركهم بعضا من مشاغل الكتابة وأدواتها في أفق خلق مساحة تواطؤ بيننا وتمتيع المتلقي بهذا الاعتراف الصادق والبوح الفعال، ومتمنياتي لكم جميعا بالتوفيق والتألق.

