جدول المحتوى

.

– اعتبر كثيرون القرار «خبرا حزينا» يمس رمزا ثقافيا رفع اسم الكويت في المحافل الأدبية

لم يعد قرار سحب الجنسية الكويتية من الكاتب والقاص طالب الرفاعي مجرد خبر محلي، بل تحول خلال الساعات الماضية إلى قضية ثقافية عربية أثارت موجة واسعة من تضامن الكتاب والمثقفين، بعد ورود اسمه ضمن مراسيم نشرتها الجريدة الرسمية «الكويت اليوم» تقضي بسحب الجنسية من 2192 شخصا وممن اكتسبوها بالتبعية، إضافة إلى إسقاط الجنسية عن شخص واحد.

وتأتي هذه القرارات في إطار حملة مراجعة ملفات الجنسية التي تنفذها السلطات الكويتية منذ أكثر من عامين، وشهدت سحب الجنسية من عشرات الآلاف من الأشخاص لأسباب تتعلق بـ«تصحيح ملفات الجنسية» ومعالجة حالات التزوير أو الازدواجية، أو استناداً إلى مواد قانونية تتعلق بـ«مصلحة الدولة العليا» أو «الأمن»، وقد شملت شخصيات سياسية ودينية وثقافية وفنية.

وبين الأسماء التي وردت في المراسيم، كان اسم طالب الرفاعي، مؤسس جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، الأكثر حضورا في الأوساط الثقافية العربية، ليس فقط بسبب مكانته الأدبية وإنما لما يمثله كأحد أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها بالثقافة الكويتية خلال العقود الأخيرة.

– مولده

وُلد طالب الرفاعي في البصرة لأب عراقي وأم كويتية وعاش تجربته الإنسانية والأدبية داخل الكويت، التي شكلت فضاءه الإبداعي الأبرز.

وعلى امتداد مسيرته، قدم عددا من الروايات والمجموعات القصصية التي رصدت تحولات المجتمع الكويتي، وأسهم في إثراء الحركة الثقافية، وكان أحدث مؤلفاته رواية «دوخي.. تقاسيم الصَبا»، التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، وتتناول سيرة عوض دوخي، أحد أبرز رموز الفن الكويتي.

ولم يكن الرفاعي مجرد روائي وقاص، بل أحد أبرز الداعمين للحركة الثقافية الكويتية والعربية، إذ عمل لسنوات في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وأسهم في إطلاق مبادرات ثقافية عدة، وفي مقدمتها جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، التي تحولت إلى واحدة من أهم الجوائز العربية المتخصصة في فن القصة القصيرة، واستضافت على مدار دوراتها كتاباً ونقاداً من مختلف البلدان العربية.

وعُرف الرفاعي بجهوده في تقديم الأدب الكويتي إلى القارئ العربي والعالمي، وتُرجمت أعماله إلى لغات عدة، وحضر اسمه في العديد من الملتقيات والمهرجانات الدولية بوصفه أحد سفراء الثقافة الكويتية.

والمفارقة التي لفتت انتباه كثيرين أن اسم طالب الرفاعي ارتبط باحتفاء ثقافي كبير، إذ جرى اختياره شخصية العام الثقافية ضمن فعاليات المشهد الثقافي الكويتي، باعتباره أحد الأصوات التي قدمت صورة مميزة للأدب الكويتي، وساهمت في تطوير السرد الخليجي وتعزيز الحوار الثقافي.

وقلد الرفاعي بوسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2023، وكان «شخصية العام الثقافية» في الشارقة عام 2021، ونال جائزة المبدعين لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 2019، وجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2013 عن مجمل الأعمال القصصية والروائية. وحصل على جائزة الدولة في الكويت مرتين، عن رواية «في الهُنا» عام 2016، ورواية «رائحة البحر» عام 2002.

وتُرجمت مؤلفاته الروائية والقصصية إلى العديد من لغات العالم، من بينها: الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، والإيطالية، والألمانية، والصينية، والتركية، والهندية، وقُدمت العديد من دراسات الماجستير والدكتوراه حول أعماله في جامعات عربية وعالمية، وعلى رأسها جامعة «السوربون» الفرنسية.

وفي المقابل، أكدت السلطات الكويتية، أن قرارات سحب الجنسية تأتي في إطار تطبيق قانون الجنسية ومراجعة الملفات والتحقق من مدى استيفائها للشروط القانونية، وهي إجراءات تقول إنها تستند إلى أحكام القانون الكويتي.

– كتاب ومثقفون وصفوا القرار بالحزين

ولم يتأخر الكتاب والمثقفون العرب في التعبير عن مواقفهم من القرار عبر صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكتب الروائي الجزائري واسيني الأعرج، تحت عنوان «طالب الرفاعي بلا وطن؟ هل يُعقل؟»:

«نشرت الجريدة الرسمية في الكويت “الكويت اليوم” مجموعة من المراسيم تقضي بسحب الجنسية الكويتية من 2193 شخصاً، بينهم الكاتب الكبير طالب الرفاعي..

صدمة كبيرة. كيف يصبح المواطن الأصيل بلا وطن؟ ما مصير عائلته المسالمة والطيبة؟ فقد زرته العديد من المرات ولمست ذلك الحب الكبير للكويت، وطنه الأول والأخير. الروائي والقاص طالب الرفاعي رفع اسم وطنه في كل الأوساط الثقافية والأدبية العربية والعالمية….

أتمنى أن يكون ما حدث رسميا خطأ في التقدير ويتم تصحيحه قريبا.. طالب يستحق أن تفخر به الكويت والعالم العربي».

ورأى أما الكاتب الصحفي سيد محمود، أن القضية تتجاوز كونها شأنا داخليا، واصفا الخبر بأنه «مؤسف ويوجع القلب».

واستعاد كواليس معرفته بالرفاعي لأكثر من عشرين عاما، مشيرا إلى دوره في خدمة الثقافة الكويتية، سواء خلال عمله في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب أو عبر تأسيس جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، داعيا إلى إعادة النظر في القرار واستثناء الأسماء التي خدمت أوطانها في المجالات الثقافية.

واختصر الروائي المصري وحيد الطويلة موقفه بعبارة مقتضبة حملت الكثير من الدلالة، إذ كتب: «إذا فلا نامت أعين الجبناء».

ومن جانبه، كتب خالد سليمان الناصري، مدير منشورات المتوسط: «أعترف أنني أقف أمام هذا المشهد بحنق ودهشة لا ينقضيان..

طالب الرفاعي، الذي طالما تماهى مع الكويت دفاعاً واحتفاءً بثقافتها، حتى ظنناه من أكثر أبنائها التصاقاً بها، تُسحب منه الجنسية..
الرجل لم يكن عابرا في المشهد الثقافي الكويتي، وأمضى عمره يكتب عنها، ويقدم كتّابها، ويساهم في صناعة صورتها الثقافية..

المفارقة الموجعة التي تجعل الكاتب يهب مكاناً عمره كله، ليكتشف في لحظة فارقة أن المكان لا يبادله العلاقة ذاتها..

أتذكر حين وصلت إلى إيطاليا، ونشرت بعض القصائد وأسست جمعية ثقافية متواضعة، كيف وجدت من يكرمني ويمنحني جنسية فخرية دون أن يطالبني أحد بإثبات مقدار حبي لتلك البلاد. أما في عالمنا العربي، فيبدو أحياناً أن المأساة لا تكمن في أن تحب وطنك قليلاً، وإنما في أن تحبه كثيراً، ثم تكتشف أن ذلك لا يكفي لحمايتك.

هنا يتجاوز السؤال حدوده القانونية والمرجعية ليغدو سؤالا وجوديا وإنسانيا مؤلما:

متى يصبح الإنسان ابناً لوطنه حقا، ومتى يستطيع الوطن أن يقنع أبناءه بأنه وطنهم بالفعل؟

تستطيع الكويت سحب جنسيتها عن طالب الرفاعي، ولكن لا أحد يستطيع سحب جنسية أدب طالب الرفاعي عن الكويت..

فالأوطان الحقيقية لا تصنعها الأختام الرسمية، بل تخلدها الكلمات، وهذا الكاتب حفر اسمه في ذاكرة لا تقبل العزل أو المحو، وبنى منجزا سرديا سيبقى شاهداً على انتمائه الأصيل، وأثراً باقياً يتجاوز كل قرار.

الصديق والأستاذ طالب الرفاعي، قلبي معك».

و وصف الكاتب والروائي إبراهيم عبد المجيد، طالب الرفاعي بأنه «من أجمل واجهات الكويت والعالم العربي في الأدب والثقافة»، معرباً عن أمله في التراجع عن القرار.

أما الشاعر والروائي اللبناني عبده وازن، فكتب: «خبر حزين جدا: سُحبت الجنسية من الروائي الكويتي الكبير طالب الرفاعي.. طالب الذي أسس أهم جائزة عربية للقصة القصيرة ورفع اسم وطنه عالياً. وقبل فترة كرّمته الشارقة كأفضل كاتب عربي. تستحق أيها الكبير هوياتنا العربية كلها».

وكشف الكاتب والصحفي الأردني معن البياري، أنه تواصل مع طالب الرفاعي، وأكد له الأخير صحة الخبر، مضيفا: «ما يحدُث في دولة الكويت التي نحبّ، على غير ما نحبّ لها ولأبنائها، ولكل ناسها، ولمثقّفيها، ومنهم طالب الرفاعي الذي يحيّي الجماهير في الصورة لمّا كنّا معاً، ومع عُلا، على السجّادة الحمراء في مهرجان وهران السينمائي في صيف 2015».

وانضم الروائي والقاضي المصري أشرف العشماوي إلى قائمة المتضامنين مع طالب الرفاعي، قائلا: «بعيدا عن أي تفاصيل قانونية أو إجرائية، يبقى المبدأ الإنساني هو الأهم دائما، فلا ينبغي لإنسان ارتبط بأرض لم يعرف غيرها وعاش فيها ولها أن يستيقظ ليجد نفسه بلا وطن..

على الجانب الشخصي، فأنا كلما سمعت اسم الروائي الكبير والصديق العزيز طالب الرفاعي، قفز إلى ذهني اسم دولة الكويت فوراً؛ فهو واحد من أبرز الأصوات الأدبية التي أسهمت في صناعة حضورها الثقافي عربياً، وأثرى المكتبة الكويتية والعربية بإبداعه الممتد لعقود..

من كل قلبي أتمنى إعادة النظر في هذا القرار، تقديراً لمسيرته المتميزة، ووفاءً لما قدمه من إسهام حقيقي في الثقافة الكويتية والعربية».

وعبر الروائي المصري عمرو العادلي، عن دهشته من القرار، وكتب: «معرفش ده ممكن يحصل إزاي، ده لو طالب الرفاعي تنزاني وساهم في خدمة الثقافة الكويتية بالإخلاص ده كله يمنح الجنسية فوراً دون قيد أو شرط. خبر حزين أرجو أن تتم مراجعته».

ومن بين الأصوات التي عبرت عن تضامنها مع طالب الرفاعي، كتب الروائي المصري محمد سمير ندا: «الهوية ليست بحاجة إلى مستند حكومي يثبتها، ولا إلى وثيقة رسمية تمنحها صدقيتها.

أينما حلّ طالب الرفاعي، سيُشار إليه ويُقال: الكاتب الكويتي القدير».

أما الكاتب العراقي أحمد عبد الحسين، فأكد أنه لا يتدخل في الشأن الكويتي، لكنه وصف خبر سحب الجنسية عن طالب الرفاعي بأنه «مؤلم فعلا»، مشيرا إلى أن الرفاعي كان من أكثر المدافعين عن بلده كتابةً ومواقف.

– العلاقة بين المبدع ووطنه

بعيدا عن الجدل القانوني، تبدو قضية طالب الرفاعي بالنسبة للمثقفين العرب سؤالا عن العلاقة بين المبدع ووطنه، وعن قدرة الثقافة على صناعة هوية تتجاوز الحدود الإدارية والوثائق الرسمية.

فالرجل الذي أمضى عقودا يكتب عن المجتمع الكويتي، ويدعم الحركة الثقافية فيه، ويقدم صورته إلى العالم العربي، وجد نفسه محورا لنقاش عربي واسع حول معنى الانتماء، وما إذا كانت الأوطان تقاس بالأوراق الرسمية وحدها، أم بما يتركه أبناؤها من أثر في ذاكرتها الثقافية.

وفي انتظار ما قد تشهده القضية من تطورات قانونية أو إجرائية، يبقى اسم طالب الرفاعي حاضرا في المشهد الأدبي العربي باعتباره أحد أبرز الأصوات التي أسهمت في تشكيل ملامح الرواية والقصة الكويتية المعاصرة، فيما تحولت قصته من خبر محلي إلى قضية ثقافية عربية مفتوحة على أسئلة الهوية والمواطنة والذاكرة.