روجيـه ضاهريـة.
ماذا لو أخبروك أن معظم ما تعتبره “أنت” ليس أنت أصلاً؟
توقف لحظة قبل أن ترفض الفكرة.
اسمك لم تختره.
دينك في الغالب لم تختره.
جنسيتك لم تخترها.
لغتك لم تخترها.
حتى كثير من أفكارك الأولى وصلت إليك قبل أن تمتلك القدرة على قبولها أو رفضها.
ومع ذلك، أنت مستعد للدفاع عنها وكأنها جزء من طبيعتك منذ ولادتك.
السؤال الذي يزعجني ليس: من أنا؟
السؤال الذي يطاردني هو:
ماذا سيتبقى مني لو انتُزعت مني كل الأشياء التي لم أخترها؟
تخيل أنك وُلدت في مكان آخر.
في بيت آخر.
وسط ثقافة أخرى.
هل كنت ستؤمن بما تؤمن به الآن؟
هل كنت ستدافع عن الأفكار نفسها؟
هل كنت ستخاصم الأشخاص أنفسهم؟
أم أنك كنت ستقف في الجهة المقابلة تماماً، مقتنعاً بالقدر نفسه أنك على حق؟
الحقيقة التي لا يحب كثيرون سماعها هي أن جزءاً كبيراً من قناعاتنا قد يكون مجرد صدفة جغرافية.
ولو وُلدنا في مكان مختلف، ربما أصبحنا أشخاصاً مختلفين بالكامل.
ومع ذلك نعيش وكأننا وصلنا إلى الحقيقة النهائية.
نختلف.
نتقاتل.
نقصي بعضنا بعضاً.
ثم نمضي في حياتنا من دون أن نتوقف لنسأل:
ماذا لو كنا جميعاً أبناء الظروف نفسها، لكن بوجوه مختلفة؟
الأمر لا يتوقف عند الأفكار.
حتى أحلامك قد لا تكون كلها أحلامك.
كم حلماً اخترته بنفسك؟
وكم حلماً زُرع في رأسك منذ الطفولة؟
من أقنعك أن النجاح له شكل واحد؟
من أخبرك أن قيمتك تُقاس بما تملك؟
ومن جعلك تركض سنوات طويلة خلف أهداف لم تسأل يوماً إن كانت تستحق الركض أصلاً؟
أخطر أنواع العبودية ليست تلك التي تُقيد الجسد.
بل تلك التي تجعل الإنسان يظن أنه حر، بينما هو ينفذ برامج لم يكتبها بنفسه.
لهذا يخاف الناس من الأسئلة.
السؤال الصادق يشبه مطرقة تضرب الجدران التي بنوا داخلها حياتهم.
وكلما اقترب الإنسان من الحقيقة، ازداد شعوره بالوحدة.
لأن الحقيقة لا تجامل أحداً.
قد تكتشف أن بعض أفكارك ليست لك.
وأن بعض مخاوفك ليست لك.
وأن بعض أحلامك ليست لك.
وربما…
أن بعض النسخ التي عشتها من نفسك لم تكن أنت أصلاً.
لكن أجمل ما في الأمر أن الإنسان ليس سجين ما وُلد عليه.
فهو قادر على أن يراجع.
أن يشك.
أن يختار.
أن يهدم ما لا يؤمن به، ويعيد بناء نفسه من جديد.
لهذا عندما أسأل نفسي:
لو لم يكن لي اسم، ولا وطن، ولا ماضٍ، ولا ألقاب، ولا تصفيق الناس…
من سأكون؟
لا أبحث عن إجابة جاهزة.
بل أبحث عن ذلك الشيء الذي يبقى بعد سقوط كل الإجابات.
ذلك الشيء الذي لا يستطيع المجتمع أن يمنحه لك.
ولا يستطيع أن يسلبه منك.
فإن وجدته…
فلن تعود بحاجة إلى تعريف نفسك بما ورثت أو بما تملك.
وإن لم تجده…
فقد تقضي عمرك كلّه حارساً لقصة كُتبت لك، بينما كنت تظن أنك كاتبها.

