اسطنبول في
15 يونيو 2026 /العُمانية/ في قلب مدينة اسطنبول التّاريخية، وعلى مقربة من جامع
السُّلطان أحمد وآيا صوفيا، تقف المسلة الفرعونية شامخةً منذ قرون، شاهدةً على
تعاقب الحضارات والإمبراطوريات التي مرّت على المدينة.
وتعد المسلة واحدة من أقدم الآثار المصرية خارج
مصر، فهي لا تروي فقط قصة الحضارة الفرعونية، بل تختصر رحلة تاريخية طويلة امتدت
من ضفاف النيل إلى ضفاف البوسفور.
وتعود
المسلة الفرعونية الموجودة اليوم في ميدان السلطان أحمد، أو ما كان يُعرف قديمًا
بميدان سباق الخيل في القسطنطينية، إلى عهد الفرعون المصري تحتمس الثالث من الأسرة
الفرعونية الثامنة عشرة، وشُيّدت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد احتفالًا
بانتصاراته العسكرية في آسيا. وتشير النقوش الهيروغليفية المحفورة على جوانبها إلى
قوة الفراعنة آنذاك.
ويبلغ
ارتفاع المسلة نحو 19.5 مترًا، فيما يصل ارتفاعها مع القاعدة إلى نحو 24 مترًا، ما
يجعلها من أبرز المعالم التاريخية في إسطنبول القديمة. وبقيت المسلة لقرون طويلة
داخل معابد الكرنك في مدينة الأقصر المصرية، قبل أن تبدأ رحلتها نحو القسطنطينية
خلال العصر الروماني.
وقال
إبراهيم بازان، المؤرخ التركي في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية: “تذكر
الروايات التاريخية أن الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول حاول نقلها إلى
القسطنطينية لتزيين ميدان سباق الخيل، إلا أن المهمة لم تكتمل آنذاك. وبعد سنوات،
نُقلت المسلة من مصر إلى مدينة الإسكندرية، قبل أن تصل أخيرًا إلى إسطنبول في عهد
الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس الأول عام 390 ميلادية، بواسطة سفينة صُنعت خصيصا
لنقل هذا الأثر الضخم”.
وأشار
إلى أنه منذ ذلك الحين، أصبحت المسلة جزءًا من المشهد التاريخي في المدينة، وواحدة
من أهم الرموز الأثرية في ميدان السلطان أحمد، الذي كان مركزًا للحياة السياسية
والاجتماعية والاحتفالات العامة خلال العصرين الروماني والبيزنطي.
ولا
تزال القاعدة الرخامية للمسلة تحتفظ بنقوش ومنحوتات تعود للعهد البيزنطي، حيث
تُظهر مراسم الاحتفالات الإمبراطورية وسباقات الخيل التي كانت تُقام في الميدان،
ما يمنح الزائر صورة متكاملة عن طبيعة الحياة في القسطنطينية القديمة.
وتحيط
بالمسلة معالم تاريخية بارزة، منها جامع السُّلطان أحمد المعروف بالجامع الأزرق،
ومتحف آيا صوفيا، إلى جانب عمود الأفاعي والعمود المشبك، ما يجعل المنطقة أشبه
بمتحف مفتوح يجمع حضارات متعددة في مساحة واحدة.
جديرٌ
بالذكر أن المسلة الفرعونية تبقى محطة رئيسية للزوار والباحثين عن عبق التاريخ،
حيث تمتزج الحضارة المصرية القديمة بالإرثين البيزنطي والعثماني في لوحة تاريخية
نادرة. وتواصل سرد حكايتها بصمت، كواحدة من أبرز الشواهد على تلاقي الحضارات بين
الشرق والغرب، ومن النيل إلى البوسفور.
/العُمانية/
النّشرةُ الثّقافية/.
طه
عوده، أصيلة الحوسني.

