كشف «مرصد الذهب» أن البنوك المركزية العالمية واصلت تعزيز احتياطياتها من الذهب خلال عام 2026، في امتداد لموجة شراء غير مسبوقة بدأت عام 2022، وأسهمت في تغيير هيكل الطلب العالمي على المعدن النفيس، لتصبح البنوك المركزية أحد أبرز المحركات الرئيسية للأسعار عالميًا.
وبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، أضافت البنوك المركزية نحو 4335 طنًا من الذهب إلى احتياطياتها منذ بداية 2022 وحتى نهاية أبريل 2026، في واحدة من أكبر موجات التراكم في التاريخ الحديث، بما يعادل أكثر من عام كامل من إنتاج المناجم عالميًا.
2022 نقطة الانطلاق.. وذروة تاريخية في الشراء.
بدأت الموجة بقوة في عام 2022، عندما سجلت البنوك المركزية مشتريات صافية بلغت 1080 طنًا، وهو أعلى مستوى سنوي على الإطلاق، مدفوعًا بتصاعد التوترات الجيوسياسية بعد الحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع معدلات التضخم عالميًا.
وأوضح التقرير أن هذا الاتجاه لم يكن مؤقتًا، بل مثّل تحولًا استراتيجيًا طويل الأمد في سياسات إدارة الاحتياطيات النقدية عالميًا.
استمرار الزخم في 2023 و2024.
وخلال عام 2023، أضافت البنوك المركزية 1051 طنًا، لتسجل ثاني أعلى وتيرة شراء تاريخيًا، قبل أن ترتفع المشتريات مجددًا في 2024 إلى نحو 1093 طنًا، وهو ثاني أعلى مستوى سنوي على الإطلاق بعد رقم 2022 القياسي.
وأشار التقرير إلى أن تجاوز مشتريات البنوك المركزية حاجز الألف طن سنويًا لثلاثة أعوام متتالية يعكس تحولًا هيكليًا في النظرة إلى الذهب كأصل احتياطي استراتيجي.
تباطؤ نسبي في 2025.. واستمرار الطلب القوي في 2026.
ورغم تراجع المشتريات إلى نحو 850 طنًا في 2025، فإنها ظلت أعلى بكثير من المتوسطات التاريخية، بينما واصلت البنوك المركزية في 2026 الشراء بإضافة نحو 261 طنًا خلال الأشهر الأولى من العام.
ويؤكد التقرير أن الطلب الرسمي على الذهب استقر عند مستويات مرتفعة غير مسبوقة مقارنة بما قبل 2022.
تحول في فلسفة الاحتياطيات العالمية.
وأوضح الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، أن هذه الموجة تمثل تحولًا جذريًا في سلوك البنوك المركزية، في ظل إعادة تقييم مكونات الاحتياطيات الأجنبية، والتوجه نحو أصول أكثر أمانًا واستقلالية.
وأشار إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الغربية كانت نقطة تحول رئيسية دفعت العديد من الدول إلى تقليل الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار.
الصين تقود المشهد.. واقتصادات ناشئة في المقدمة.
وتعد الصين من أبرز المشترين خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب بولندا والهند وتركيا، حيث تتصدر الاقتصادات الناشئة موجة الشراء بهدف تنويع الاحتياطيات وتعزيز الاستقلال النقدي.
كما واصل بنك الشعب الصيني زيادة احتياطياته من الذهب بشكل متتالٍ على مدار 19 شهرًا، ضمن استراتيجية تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي.
طلب طويل الأجل يدعم الأسعار العالمية.
ويرى محللون أن أهمية مشتريات البنوك المركزية لا تكمن فقط في حجمها، بل في طبيعتها طويلة الأجل، إذ تحتفظ بهذه الأصول لفترات ممتدة، ما يوفر دعماً مستدامًا لأسعار الذهب عالميًا.
كما يشير التقرير إلى أن هذا التحول يعكس عودة الذهب إلى موقعه كأصل نقدي استراتيجي في النظام المالي الدولي، بعد عقود من تراجع دوره عقب انهيار نظام بريتون وودز.
قراءة مرصد الذهب.
واختتم «مرصد الذهب» تقريره بالتأكيد على أن إضافة أكثر من 4300 طن منذ 2022 تعكس تحولًا هيكليًا في إدارة الاحتياطيات العالمية، وأن الذهب أصبح أحد أهم أدوات التحوط ضد المخاطر الجيوسياسية والمالية، في ظل ارتفاع الديون العالمية وتراجع الثقة في بعض الأصول السيادية التقليدية.

