جدول المحتوى

.

قد لا تكون الانتخابات التكميلية المقررة في دائرة ماكيرفيلد شمال إنجلترا في 18 حزيران/ يونيو مجرد منافسة على مقعد برلماني شاغر، بل قد تتحول إلى محطة مفصلية في مستقبل حزب العمال البريطاني، وربما تحدد هوية رئيس الوزراء المقبل.

وفي قلب هذا المشهد يقف عمدة مانشستر الكبرى، أندي بورنهام، البالغ من العمر 56 عامًا، والذي قرر مغادرة موقعه الإقليمي الناجح لخوض اختبار سياسي جديد قد يقوده إلى زعامة حزب العمال، وربما إلى رئاسة الحكومة البريطانية.

من مانشستر إلى وستمنستر

على مدى نحو عقد من الزمن، نجح بورنهام في ترسيخ مكانته كأحد أبرز السياسيين المحليين في بريطانيا، مستندًا إلى ما بات يُعرف بـ”المانشستريانية”، وهي رؤية اقتصادية واجتماعية تجمع بين دعم الأعمال التجارية وتوسيع دور الدولة في الخدمات العامة.

ووفقًا لتقارير إعلامية فرنسية، حققت مانشستر خلال السنوات الأخيرة معدل نمو اقتصادي بلغ 3.1 بالمئة سنويًا، أي ما يقارب ضعف المتوسط الوطني، فيما ارتفع عدد سكان مركز المدينة إلى نحو 100 ألف نسمة بعد أن كان لا يتجاوز بضع مئات في ثمانينيات القرن الماضي.

كما أعاد بورنهام شبكة الحافلات إلى الإدارة العامة، وفرض سقوفًا لأسعار التذاكر، وأطلق برامج للإسكان الميسور، وأسهم في تعزيز صورة المدينة كوجهة ثقافية ورياضية وسياحية. 

لكن نجاحاته لم تكن كاملة؛ إذ لا تزال مناطق مثل أولدهام وروتشدال تعاني الفقر والتهميش، كما لم يتحقق وعده السابق بالقضاء على ظاهرة التشرد بحلول عام 2020.

سياسي يصعب تصنيفه

بدأ بورنهام مسيرته السياسية ضمن حكومتي رئيس الوزراء الأسبق توني بلير وخلفه غوردون براون، ما جعله يُصنف لفترة طويلة ضمن الجناح المعتدل أو “البلايري” داخل حزب العمال.

غير أن سنواته في مانشستر أبعدته عن أروقة لندن التقليدية، وقرّبته من الخطاب الشعبي المرتبط بقضايا شمال إنجلترا، ما منحه صورة السياسي القادر على مخاطبة الناخبين الغاضبين من النخبة السياسية.

وسبق أن خاض سباق زعامة حزب العمال مرتين؛ الأولى عام 2010 حين حل خامسًا، والثانية عام 2015 عندما خسر أمام جيريمي كوربن.

جاءت فرصة بورنهام الحالية بعد استقالة النائب العمالي جوش سيمونز، الذي دعا صراحة إلى ترشحه للمقعد، معتبرًا أن حزب العمال والحكومة بحاجة إلى “تغيير حقيقي”.

وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى منافسة متقاربة بين بورنهام ومرشح حزب “إصلاح المملكة المتحدة” اليميني، في دائرة يغلب عليها الناخبون المؤيدون لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وتكمن أهمية هذه الانتخابات في أنها قد تمنح بورنهام منصة للعودة إلى البرلمان ومن ثم التحرك داخل الحزب لتحدي رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر.

هل يسعى لإزاحة ستارمر؟

تتحدث تقارير صحفية بريطانية عن سيناريو يقوم على فوز بورنهام بالمقعد البرلماني، ثم إطلاق تحرك داخلي لإقناع ستارمر بالتنحي عن قيادة الحزب.

وبحسب هذه التقارير، يعتقد مؤيدو بورنهام أن الحزب فقد جزءًا مهمًا من شعبيته التقليدية، وأنه بحاجة إلى شخصية أكثر قدرة على مواجهة صعود اليمين الشعبوي ممثلاً بحزب “إصلاح المملكة المتحدة”.

في المقابل، يرفض ستارمر أي حديث عن التنحي، مؤكدًا أنه حصل على تفويض انتخابي واضح وأنه مستمر في منصبه، مشيرًا إلى ما يعتبره إنجازات اقتصادية وتحسنًا في أداء الخدمات الصحية.

ماذا يريد أن يفعل إذا وصل إلى السلطة؟

يحمل برنامج بورنهام مزيجًا من السياسات الاجتماعية والإصلاحات السياسية، إذ يدعو إلى: خفض الضرائب على الشركات الصغيرة.

إعادة سقف أسعار الحافلات، وتأميم شركة مياه التايمز، وإصلاح مجلس اللوردات وتحويله إلى مجلس يمثل الأقاليم، إضافة إلى اعتماد نظام انتخابي أكثر تمثيلاً، وتوسيع الاستثمار في الإسكان الاجتماعي، وزيادة الإنفاق الدفاعي عبر الاقتراض.

أما على الصعيد الأوروبي، فيتبنى موقفًا وسطيًا، إذ يؤيد العودة مستقبلاً إلى الاتحاد الأوروبي، لكنه يعارض إجراء استفتاء جديد في المدى القريب.

“ملك الشمال”.

يرى أنصار بورنهام أنه نجح في بناء نموذج سياسي مختلف خارج لندن، وأن شعبيته في شمال إنجلترا تمنحه فرصة حقيقية لإعادة تشكيل حزب العمال.

لكن منتقديه يشككون في قدرته على تكرار تجربة مانشستر على المستوى الوطني، معتبرين أن نجاحه المحلي لا يضمن نجاحه في إدارة ملفات معقدة على مستوى البلاد.

ومع اقتراب موعد الاقتراع، تبدو دائرة ماكيرفيلد الصغيرة وكأنها تحولت إلى ساحة اختبار لمستقبل حزب العمال بأكمله، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرة كير ستارمر على الحفاظ على موقعه، وطموح أندي بورنهام في الانتقال من لقب “ملك الشمال” إلى قيادة بريطانيا.