وجدت شركة الذكاء الاصطناعي الأمريكية “أنثروبيك” نفسها في قلب أزمة مفاجئة، بعد أن فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قيوداً حكومية أجبرتها على تعليق تشغيل أحدث نماذجها المتقدمة “Fable” و”Mythos”، وذلك بعد أيام فقط من إطلاقها للعامة، في خطوة أثارت ارتباكاً واسعاً داخل قطاع الذكاء الاصطناعي العالمي.
ونقل تقرير لصحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية عن مصادر مطلعة، أن وزارة التجارة الأمريكية فرضت يوم الجمعة قيود تصدير على النموذجين، تمنع استخدامهما من قبل الأجانب، وتلزم الشركة بوقفهما فوراً لجميع المستخدمين، مع منح “أنثروبيك” مهلة لم تتجاوز 90 دقيقة للامتثال، دون تقديم تفاصيل كافية حول أسباب القرار.
ويعد هذا التدخل من أبرز التحركات التنظيمية الأمريكية تجاه نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وسط تساؤلات متزايدة حول كيفية تعامل واشنطن مع التقنيات التي تُصنف ضمن “النماذج الحدودية” الأكثر تطوراً.
وجاء القرار بعد تقرير أعده باحثون في شركة “أمازون”، كشف عن احتمال وجود ثغرة أمنية في نموذج “Fable” تتيح تجاوز أنظمة الحماية واستخراج معلومات حساسة حول ثغرات أمنية في البرمجيات، وهي قدرة تُعرف اصطلاحاً باسم “كسر القيود” أو “jailbreak”.
وبحسب مصادر، فقد نقلت “أمازون” نتائجها إلى “أنثروبيك” قبل أن تتواصل مع الجهات الحكومية، فيما ناقش الرئيس التنفيذي لأمازون آندي جاسي القضية مع مسؤولين أمريكيين، في إطار مخاوف أوسع تتعلق بقدرات النماذج المتقدمة وليس فقط نموذج “أنثروبيك”.
وقالت “أمازون” في بيان إن التواصل مع الحكومات بشأن المخاطر الأمنية أمر شائع، مؤكدة أنها لا تكشف تفاصيل تلك النقاشات.
وأفادت مصادر بأن فريقاً تقنياً رفيعاً من “أنثروبيك” توجه إلى واشنطن خلال عطلة نهاية الأسبوع في محاولة لاحتواء تداعيات القرار والتفاوض حول مخرج للأزمة.
كما أشارت إلى أن نموذج “Fable” كان قد حصل على موافقة داخلية من جهات تابعة لوزارة التجارة قبل إطلاقه بأيام، ما زاد من حدة الجدل حول التباين داخل الأجهزة التنظيمية الأمريكية نفسها.
وقالت الشركة إنها لا توافق على استهداف نماذجها تحديداً، معتبرة أن القدرات التي أثارت القلق موجودة أيضاً في أنظمة منافسة مثل تلك التي تطورها شركات أخرى في القطاع، بما فيها “أوبن إيه آي”.
ويرى خبراء أمنيون أن معالجة مثل هذه الثغرات قد تستغرق أسابيع من التطوير دون ضمان القضاء الكامل عليها، إذ يمكن أن تظهر طرق جديدة لتجاوز القيود بشكل مستمر.
وقالت هيلين تونر، المديرة التنفيذية السابقة في “أوبن إيه آي”، إن “كسر القيود في هذه النماذج أمر معروف وغير دقيق بطبيعته”، مضيفة أن من المتوقع أن تمتلك النماذج المنافسة قدرات مشابهة.
وتُعد هذه الأزمة اختباراً مبكراً لنهج إدارة ترامب في التعامل مع الذكاء الاصطناعي المتقدم، خاصة في ظل لجوء الحكومة إلى أدوات رقابية مثل قيود التصدير لمعالجة مخاوف أمنية تتعلق بالنماذج الحدودية.
وفي المقابل، حذرت أطراف في القطاع من أن هذه الخطوة قد تخلق حالة من عدم اليقين بشأن نشر وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً.
وقال مسؤولون في القطاع إن فرض قيود على استخدام النماذج من قبل الأجانب قد يعرقل التعاون الدولي في مجالات مثل الأمن السيبراني والدفاع الرقمي.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه الخلافات بين شركات التكنولوجيا والإدارة الأمريكية بشأن تنظيم الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك استخدام هذه التقنيات في الأمن الداخلي والأسلحة الذاتية.
وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد صنفت “أنثروبيك” سابقاً كـ”خطر محتمل على سلاسل الإمداد الأمني”، في حين ما تزال هناك دعاوى قانونية مرتبطة بهذا التصنيف.
ورغم القرار الأخير، أكدت مصادر في الحكومة أن الجيش الأمريكي وبعض الوكالات الفيدرالية ما زالت تستخدم أحدث نماذج الشركة.
وفي أوروبا، قالت المفوضية الأوروبية إنها تدرس تداعيات القرار الأمريكي على مستخدمي هذه النماذج داخل الاتحاد، مشيرة إلى أن هذه التقنيات تحمل فوائد كبيرة في مجالات مثل الدفاع السيبراني، لكنها تثير أيضاً مخاوف أمنية متزايدة.
وأكدت المفوضية أن التعامل مع هذه المخاطر يجب أن يتم بطريقة غير تمييزية، وبالتنسيق بين الشركاء الدوليين.
وفي سياق متصل، قالت الباحثة كاتي موسوريس إن القدرات التي رصدتها “أمازون” ليست فريدة من نوعها، بل يمكن العثور عليها في نماذج منافسة، بما في ذلك أنظمة تطورها شركات أخرى كـ”أوبن إيه آي”.
وأضافت أن أنظمة الحماية في النماذج تعمل كما هو مصمم لها، معتبرة أن الإدارة الأمريكية “أخطأت في تقدير الموقف”.
وبينما تؤكد إدارة ترامب أن الخطوة تأتي ضمن اعتبارات الأمن القومي، يرى خبراء أن الأزمة الحالية قد تمثل بداية نقاش أوسع حول كيفية تنظيم الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي دون خنق الابتكار أو تعطيل التعاون الدولي.

