في أقل من عقد، انتقلت العلاقات الاقتصادية بين المغرب والصين من مرحلة تبادل السلع إلى مرحلة بناء المصانع وتطوير الصناعات المتقدمة، في تحول يعكس طموح الرباط للتموقع ضمن سلاسل الإنتاج العالمية المرتبطة باقتصاد المستقبل.

فالمملكة لم تعد مجرد سوق للمنتجات الصينية أو منصة للتبادل التجاري، بل أصبحت وجهة رئيسية لاستثمارات ضخمة في قطاعات استراتيجية تتصدرها صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات وتقنيات الطاقة النظيفة.

وتؤكد الأرقام هذا التحول المتسارع، بعدما ارتفع حجم المبادلات التجارية بين البلدين إلى نحو 10.96 مليارات دولار خلال سنة 2025، مسجلاً نمواً قوياً مقارنة بالعام السابق.

كما تعزز هذا المسار باختيار الدار البيضاء لاحتضان أول نسخة إفريقية خارج الصين من المعرض الاقتصادي والتجاري الصيني-الإفريقي، في إشارة واضحة إلى المكانة التي بات يحتلها المغرب في الاستراتيجية الاقتصادية الصينية بالقارة.

ورغم الارتفاع اللافت في حجم التجارة الثنائية، فإن الأرقام تكشف استمرار اختلال الميزان التجاري لصالح الصين، حيث بلغت الصادرات الصينية إلى المغرب حوالي 9.88 مليارات دولار، مقابل واردات صينية من المغرب لم تتجاوز 1.08 مليار دولار.

ويضع هذا الواقع الرباط أمام تحدي رفع صادراتها وتعزيز اندماجها في سلاسل القيمة العالمية المرتبطة بالاستثمارات الصينية الجديدة.

غير أن ما يميز المرحلة الحالية من العلاقات بين البلدين هو الانتقال من منطق الاستيراد والتصدير إلى منطق الإنتاج المشترك. ففي مدينة القنيطرة يتقدم مشروع أول مصنع عملاق لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية في إفريقيا، الذي تقوده شركة “غوشن باور المغرب”، باستثمارات ضخمة وطاقة إنتاجية مرتقبة تصل في مراحلها النهائية إلى 100 جيغاواط، مع توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

وفي الجرف الأصفر، يتواصل تطوير مشروع “كوبكو” المشترك بين مجموعة “المدى” المغربية وشركة CNGR الصينية، والذي يستهدف إنتاج مكونات بطاريات الليثيوم-أيون بطاقة قادرة على تلبية احتياجات ما يقارب مليون سيارة كهربائية سنويا.

ويكتسي المشروع أهمية خاصة بفضل برامجه الموجهة لتكوين الكفاءات المغربية ونقل الخبرات التقنية المتقدمة في مجال الصناعات المرتبطة بالتحول الطاقي.

كما تواصل منطقة طنجة تك استقطاب استثمارات صينية جديدة في قطاع مكونات البطاريات والمواد الأساسية اللازمة لصناعة السيارات الكهربائية، ما يعزز مكانة المغرب كمركز صناعي إقليمي في هذا المجال الاستراتيجي.

وتستند هذه الدينامية إلى الأسس التي بناها المغرب خلال العقدين الماضيين في قطاع صناعة السيارات، حيث أصبحت المملكة من أبرز المنتجين والمصدرين على مستوى المنطقة، مع قدرة إنتاجية تناهز مليون سيارة سنويا وشبكة صناعية متكاملة تضم كبار المصنعين العالميين.

هذا الواقع يجعل من المغرب وجهة مثالية للشركات الصينية الباحثة عن موطئ قدم قريب من الأسواق الأوروبية، خاصة في ظل تصاعد القيود التجارية المفروضة على المنتجات الصينية في عدد من الدول الغربية.

ومن جهة أخرى، تستفيد المملكة من تدفق الاستثمارات والتكنولوجيا والخبرات التي تدعم تحولها نحو اقتصاد صناعي أكثر تقدما.

وعلى المستوى الجيوسياسي، نجح المغرب في الحفاظ على توازن دقيق بين مختلف شركائه الدوليين، مستفيدا من علاقاته القوية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه منفتحا على التعاون الاقتصادي مع الصين ضمن مقاربة براغماتية قائمة على المصالح المتبادلة.

ومع اقتراب دخول عدد من المشاريع الصناعية الكبرى مرحلة الإنتاج خلال سنة 2026، تبدو الشراكة المغربية الصينية مقبلة على مرحلة جديدة قد تجعل المملكة أحد أهم مراكز صناعة مكونات السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة خارج آسيا.

ويبقى التحدي الأبرز أمام المغرب هو تحويل هذه الاستثمارات إلى رافعة حقيقية لبناء قاعدة تكنولوجية وطنية وتعزيز حضور الرأسمال والكفاءات المغربية داخل الصناعات المستقبلية، بما يضمن تحقيق قيمة مضافة مستدامة ويعزز استقلالية الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.

 

 

 

الوسومالصين المغرب.