جدول المحتوى
.
تُمثل هدنة ترامب مع إيران، التي بدأت تتبلور، تحوّلًا هامًا عن الخطاب المتشدد الذي طبع المراحل الأولى من الصراع، مُسلطةً الضوء على الحقائق المُعقدة التي دفعت واشنطن وطهران في نهاية المطاف إلى المفاوضات بعد أكثر من مئة يوم من الحرب.
بحسب تحليل فاينانشال تايمز، في بداية الصراع، طالب الرئيس دونالد ترامب علنًا بـ”استسلام إيران غير المشروط”.
أما الآن، فيركز الاتفاق الذي يحتفل به الطرفان على تمديد وقف إطلاق النار الهش، وإعادة فتح مضيق هرمز، ووضع إطار عمل للمفاوضات المستقبلية، بدلًا من تحقيق الأهداف الشاملة التي حددتها واشنطن في البداية.
ينظر المؤيدون إلى هذا الاتفاق كخطوة عملية نحو الاستقرار، بينما يرى المنتقدون أنه يُبقي العديد من الخلافات الجوهرية للحرب دون حل، ويُظهر النفوذ الذي احتفظت به إيران رغم الضغوط العسكرية المستمرة.
مضيق هرمز يبرز كقضية محورية
يُعدّ إعادة فتح مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، الإنجاز الأبرز لهدنة ترامب-إيران.
وقد تسبب إغلاق المضيق وتعطيل حركة الملاحة البحرية فيه في تداعيات اقتصادية كبيرة، أثرت على إمدادات النفط والغاز العالمية، وضغطت على أسواق الطاقة في جميع أنحاء العالم.
وبموجب مذكرة التفاهم، ستعيد إيران فتح الممر المائي تدريجيًا مع المشاركة في عمليات إزالة الألغام. ومن المتوقع أن تمر حركة الشحن عبر المضيق لمدة 60 يومًا دون رسوم إضافية ريثما تستمر المفاوضات.
ويشير المحللون إلى أن الاتفاق يعكس الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، والنفوذ الذي أظهرته إيران من خلال قدرتها على تعطيل طريق مسؤول عن نقل ما يقرب من خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية.
اتفاق مؤقت لا تسوية نهائية
يحذر دبلوماسيون ومحللون من أن هدنة ترامب مع إيران يجب اعتبارها ترتيبًا مؤقتًا لا اتفاق سلام شاملًا.
تمدد مذكرة التفاهم وقف إطلاق النار الحالي لمدة 60 يومًا، وتضع إطارًا للمفاوضات المستقبلية بشأن القضايا النووية، والعقوبات، والمخاوف الأمنية الإقليمية، والوضع طويل الأمد لمضيق هرمز.
ووفقًا لمسؤولين مطلعين على المناقشات، حقق كلا الجانبين أهدافًا فورية. فقد أحرزت الولايات المتحدة تقدمًا نحو إعادة فتح طرق الشحن الحيوية، بينما خفّ الضغط على إيران خلال فترة المفاوضات المستمرة.
ويؤكد مراقبون أن العديد من القضايا الأكثر تعقيدًا قد تم تأجيلها فعليًا بدلًا من حلها.
البرنامج النووي لا يزال محور المحادثات المستقبلية
إحدى أهم المسائل العالقة تتعلق بالأنشطة النووية الإيرانية. وتتضمن هدنة ترامب مع إيران تأكيد إيران على أنها لن تطور أو تحصل على أسلحة نووية، وتضع آلية لمعالجة مخزونها من اليورانيوم المخصب.
تمتلك إيران حاليًا أكثر من 9000 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، بما في ذلك مئات الكيلوغرامات المخصبة بمستويات تقارب مستوى اليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة.
من المتوقع أن تحدد المفاوضات المقبلة كيفية تخفيف تركيز هذه المادة، ومراقبتها، وتخزينها، أو إزالتها تحت إشراف دولي.
تبقى هذه القضية حساسة للغاية لأنها لطالما كانت أحد الأهداف الرئيسية لترامب، وأحد الشواغل الأساسية لكل من إسرائيل والحكومات الغربية.
إيران تحتفظ بنفوذ تفاوضي كبير
على الرغم من العمليات العسكرية المكثفة التي استهدفت البنية التحتية والقدرات العسكرية الإيرانية، يرى المحللون أن إيران تدخل المرحلة التالية من المفاوضات بنفوذ كبير.
لقد نجت الحكومة من الصراع، وحافظت على سيطرتها على مؤسسات الدولة الرئيسية، وأظهرت قدرتها على التأثير في أسواق الطاقة العالمية من خلال تحركاتها في مضيق هرمز وحوله.
لم يؤدِ تولي مجتبى خامنئي السلطة بعد وفاة علي خامنئي إلى انهيار النظام، كما توقع بعض المراقبين خلال الصراع.
بالإضافة إلى ذلك، عززت قدرة إيران على التأثير في خطوط الشحن والاستقرار الإقليمي موقفها التفاوضي مع استمرار المفاوضات.
الإنعاش الاقتصادي مرتبط بالالتزام المستقبلي
يتضمن أحد العناصر الرئيسية للهدنة بين ترامب وإيران إمكانية تقديم إنعاش اقتصادي تدريجي لإيران.
وبينما لا تزال العقوبات سارية إلى حد كبير، يشير المسؤولون إلى أن أي تخفيف مستقبلي للقيود سيعتمد على التقدم المحرز خلال المفاوضات النووية.
بحسب التقارير، يتضمن الاتفاق بنودًا تسمح لإيران بمواصلة بيع النفط خلال فترة وقف إطلاق النار، مما يوفر هامشًا اقتصاديًا محدودًا بعد أشهر من الصراع والأضرار الجسيمة التي لحقت بالقطاعات الرئيسية.
وقد عانى الاقتصاد الإيراني من الضربات العسكرية التي استهدفت البنية التحتية للطاقة والمنشآت الصناعية والقطاعات المرتبطة بالتصدير. ونتيجة لذلك، من المتوقع أن يظل تحقيق مكاسب اقتصادية من الدبلوماسية أولوية بالنسبة لطهران.
إسرائيل تواجه أسئلة استراتيجية صعبة
أثار الاتفاق أيضًا جدلًا داخل إسرائيل. أيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بقوة الجهود المبذولة لإضعاف إيران عسكريًا، لكن العديد من مخاوف إسرائيل القديمة لا تزال عالقة في ظل الإطار الحالي.
لا تتناول المذكرة بشكل مباشر برنامج الصواريخ الإيراني، أو قدرات الطائرات المسيرة، أو دعم إيران للجماعات المتحالفة معها في المنطقة.
يرى بعض المحللين الإسرائيليين أن التوقعات باستسلام إيران تحت الضغط العسكري كانت غير واقعية، بينما يرى آخرون أن الصراع أضعف القدرات الإيرانية بشكل كبير رغم غياب تسوية شاملة.
تترك هذه النتيجة صانعي السياسات الإسرائيليين أمام أسئلة صعبة حول أفضل السبل لمواجهة التحديات الأمنية المستقبلية التي تفرضها إيران.
لا تزال المخاوف الأمنية الإقليمية قائمة
إلى جانب القضايا النووية، تبقى مخاوف إقليمية هامة خارج نطاق الاتفاق الحالي. لا يُتوقع أن تُقدّم الهدنة بين ترامب وإيران حلولًا فورية بشأن ترسانة الصواريخ الإيرانية، أو برامج الطائرات المسيّرة، أو علاقاتها مع الجماعات المسلحة الإقليمية.
تواصل الحكومات العربية، التي دعم العديد منها جهود إنهاء النزاع، مراقبة هذه القضايا عن كثب. ولا يزال القادة الإقليميون قلقين بشأن التداعيات طويلة الأمد للتعامل مع إيران التي لا تزال متماسكة سياسيًا ولكنها ضعيفة اقتصاديًا وعسكريًا.
من المتوقع أن تتناول المناقشات المستقبلية بين إيران والدول المجاورة ترتيبات أمنية أوسع، بما في ذلك الأمن البحري والاستقرار الإقليمي.
يُحيط الغموض بالتنفيذ طويل الأمد
على الرغم من التفاؤل الذي يحيط بالاتفاق، يحذر العديد من الخبراء من أن تحديات التنفيذ لا تزال كبيرة.
تحتفظ كل من واشنطن وطهران بنفوذ كبير على الأخرى. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك عقوبات اقتصادية قوية وقدرات عسكرية، بينما تحافظ إيران على نفوذها على طرق الطاقة الحيوية والديناميات الإقليمية.
يحذر بعض المحللين من أن الخلافات حول تخفيف العقوبات، والتخلص من اليورانيوم، وعمليات التفتيش، أو الوصول البحري، قد تُعرقل المفاوضات سريعًا.
ويقترح آخرون إمكانية تمديد مرحلة وقف إطلاق النار الحالية لما بعد فترة الستين يومًا الأولية، إذا ما خلص الطرفان إلى أن الدبلوماسية المطولة تخدم مصالحهما بشكل أفضل من تجدد الصراع.

