جدول المحتوى

.

  1. هل تواصل إسرائيل عدوانها على لبنان؟
  2. الثمن الأميركي

يضع الاتفاق الجديد بين الولايات المتحدة وإيران إسرائيل في موقف محرج، حتى قبل اتضاح تفاصيله كافّة، ويقودها إلى سجالات داخلية وتساؤلات حول جدوى الحرب التي أشعلتها ضد إيران وجرّت الولايات المتحدة إليها. ويبدو ذلك جلياً في ردّات فعل أعضاء في الائتلاف الحكومي والمعارضة على حدٍّ سواء، ومنافسين لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، كما يُعمّق إعلانُ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أزمةَ نتنياهو نفسه عشية انتخابات الكنيست المقبلة، في ظل عدم إشراك تل أبيب في اتخاذ القرار، وربما اطّلاعها على تفاصيله أو جزء منها فقط، وفي ظل عدم حسم الحرب على أيٍّ من الجبهات التي لا تزال مفتوحة بعد أكثر من عامين ونصف العام، والفجوةِ بين الواقع ووعوده بتحقيق “النصر المطلق”.

ومن بين السيناريوهات الأسوأ لإسرائيل، إن تحقق، تقييدُ حرية عمل جيش الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، أما الكابوس الأكبر فهو لو أجبرها ترامب على الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، وواصل اتخاذ قرارات وألزمها بها، ما قد يعني أن سياسة نتنياهو حوّلت إسرائيل إلى رهينة بيد القرار الأميركي، وإلى نوع من التبعية، ما قد يفسّر حاجة الوزراء والمسؤولين في تصريحاتهم إلى التأكيد أن “إسرائيل دولة مستقلة”، وأن “لبنان مسألة إسرائيلية”، علماً أن جهات في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حذّرت مؤخراً من مثل هذا السيناريو.

ونجد أن مصطلحات مثل الخطر الاستراتيجي وخيبة الأمل تتردّد بقوة في دولة الاحتلال، بسبب العوامل أعلاه، وفشل أهداف الحرب، ومنها إسقاط النظام الإيراني، والبنود المحتملة للاتفاق التي تُبقي على مشروع الصواريخ البالستية الذي تذرّع به نتنياهو، وتضمن تدفق الأموال إلى إيران، وتنسف المحاولات الإسرائيلية لتفكيك “وحدة الساحات”. وسبق أن صرّح مسؤولون إسرائيليون في الأيام الأخيرة بأنهم لن يسمحوا بهذه المعادلة، لكن يبدو أن إيران أصرّت عليها ونالتها في الاتفاق، الذي يُبقي أيضاً على المشروع النووي الإيراني، حتى لو تبيّن بعد اتضاح الصورة أكثر أن التخصيب سيجري بنسب أقل وتحت قيود معيّنة.

 

ويُسجَّل ضد نتنياهو أيضاً أن اتفاق 2015 النووي الذي حاربه وأقنع ترامب في ولايته الرئاسية الأولى بإلغائه قد عاد من الباب الواسع، وإن اختلفت بعض شروطه وبنوده، لكن بفارق جوهري ومهم في الأسوأ بالنسبة لإسرائيل، قد يُحاسَب عليه نتنياهو، وهو أن الاتفاق المذكور جرى بلا جولات إسرائيلية قتالية معلنة، بينما يأتي الاتفاق الجديد بعد عدة معارك، ووجود إسرائيل في حرب كبّدتها خسائر بشرية واقتصادية، واستنزاف قدرات عسكرية وكشف أخرى استخباراتية، يُضاف إلى ذلك إخفاق نتنياهو في إفشال الاتفاق رغم استغلاله كل فرصة مواتية من أجل تخريبه. لكن بالمقابل، لا يمكن التغاضي عن تحقيق إسرائيل ما تسميه “الإنجازات” من وجهة نظرها، بإضعاف إيران واغتيال العديد من قادتها وعلمائها، إلى جانب إضعاف حزب الله، دون التقليل من شأن الأخيرَين وتصميم طهران ومحاولتها نفض غبار المعركة والنهوض إلى مفاوضات وظّفت فيها تهديدات عسكرية ومهارة تفاوضية، وفرضت اتفاقاً يبدو أنه يُرضيها.

هل تواصل إسرائيل عدوانها على لبنان؟

يدّعي مسؤولون إسرائيليون أن الاتفاق لا يُلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية التي احتلّتها. وستحاول تل أبيب تسويق روايتها، والتذرّع بحماية أمن سكان المنطقة الشمالية والبلدات والمستوطنات الحدودية، كما ستبحث عن الثغرات أو التفاهمات غير المعلنة مع الإدارة الأميركية، وربما العودة من خلالها إلى عملياتها التدريجية في لبنان، على غرار ما يحدث في غزة، حيث تواصل إسرائيل خرق الاتفاق الذي يحمل اسم خطة ترامب وترتكب المجازر، كما تواصل توسيع احتلالها، وهو ما تفاخر به نتنياهو في الآونة الأخيرة، وتوعّد بتوسيع المساحة التي تحتلها إسرائيل.

وكمثال آخر الاتفاق السابق بشأن وقف إطلاق النار في لبنان، الذي كان برعاية ترامب أيضاً، وواصلت إسرائيل انتهاكه وقصف عدة مواقع لبنانية وتنفيذ اغتيالات ومجازر دون حسيب أو رقيب، واستمر ذلك رغم عدم ردّ حزب الله على الانتهاكات قبل دخوله الحرب الأخيرة ردّاً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وبالتالي قد يبني نتنياهو على هذه التجارب لإيجاد مخرج يتيح له توجيه ضربات في لبنان حتى توقيع الاتفاق رسمياً، أو ربما حتى موعد الانتخابات بعد نحو أربعة أشهر، ما عدا إن ألزمه ترامب بغير ذلك.

أما ما يتعلق بإيران، وتوعّد وزراء إسرائيليين بمواصلة العمليات هناك حتى إسقاط النظام، فيبدو أن الاتفاق الجديد قد يمنع إسرائيل من شنّ غارات على أهداف إيرانية. لكن هذا لا يعني أن إسرائيل لن تكون حاضرة هناك، ربما من خلال عمليات سرية واختراق وتجسس واغتيالات، على غرار ما حدث على مدار سنوات قبل جولات الحرب الأخيرة وما تكشّف جلياً خلالها. بالمقابل، ربما كشفت إيران في الفترة الماضية عن خيوط بعض أساليب العمل الإسرائيلية، ما يُسهم في الحدّ منها.

الثمن الأميركي

اختار نتنياهو جرَّ الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب إلى حروبه، ونجح في ذلك إلى حدٍّ كبير. وعلى عكس نشوات مرات سابقة تفاخر فيها الزعيمان بعمليات خداع أدّت إلى نجاح خطط مُبيَّتة، خاصة ضد إيران، ربما ضاق الرئيس الأميركي ذرعاً برئيس الوزراء الإسرائيلي هذه المرة وانقلب عليه. يبرز ذلك في اعتبار أصوات إسرائيلية، منها إعلامية، بالتصريح أو التلميح، أن ترامب “خان” إسرائيل وتركها تواجه مصيرها.

لكن بالمقابل، فإنّ إسرائيل تدفع ثمن اختيارات نتنياهو وقراراته بالاستعانة بواشنطن في حروبه، ما يُسهّل على الأخيرة فرض إملاءاتها على تل أبيب متى شاءت، حتى لو ظهرت مؤشرات على أن النظام الذي سعت إسرائيل لإضعافه خرج أقوى من حرب قد يدفع نتنياهو ثمنها سياسياً. فإن نجح منافسوه في استغلال الفرصة المواتية، أو فشل هو في الأشهر المتبقية في إيجاد مخرج مقنع أو تشتيت الأنظار نحو جبهات أخرى، يكون هو مَن سقط رغم تشبّثه بالبقاء في منصبه بشتى الطرق.