بعد الإعلان عن اتفاق بين واشنطن وطهران يشمل وقف إطلاق نار على جبهة لبنان كذلك، وسط اعتراض إسرائيلي، شهدت الطرقات المؤدية إلى جنوبي لبنان زحمة سير خانقة، إذ وضّب كثيرون متاعهم متوجّهين إلى مناطقهم بعد تهجير. تزامن ذلك مع أعمال بدأت فيها آليات تابعة لعدد من البلديات في جنوب لبنان، قبل ظهر اليوم، لفتح الطرقات المقفلة بسبب الدمار الذي خلّفه القصف الإسرائيلي أمام الأهالي العائدين، في حين دعت بلديات عدّة المواطنين إلى التريّث في العودة.
وبدا نازحون كثيرون من الجنوب متردّدين بشأن العودة إلى قراهم، في وقت راحت فيه المسيّرات المعادية تحلّق ليس فقط فوق جنوبي البلاد، إنّما كذلك فوق العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية. أتى ذلك في حين دعت قيادة الجيش اللبناني أهالي القرى والبلدات الحدودية الجنوبية إلى ضرورة التريّث في العودة، خشية المخاطر من جرّاء اعتداءات إسرائيلية محتملة.
وكانت الولايات المتحدة الأميركية قد توصّلت إلى مذكرة تفاهم مع إيران، تنصّ على إنهاء الحرب والعمليات العسكرية على كلّ الجبهات، جبهة لبنان من ضمنها، ابتداءً من اليوم الاثنين، بصورة كاملة وفورية. لكنّ انتهاك إسرائيل للتعهّدات والتفاهمات والقرارات السابقة، ولا سيّما تلك الصادرة عن المفاوضات المباشرة بينها وبين لبنان في واشنطن أخيراً، يدفع كثيرين إلى توخّي الحذر. وبالفعل، مضت قوات الاحتلال في أعمالها العدائية، فاستهدف الطيران المسيّر الإسرائيلي، بعد ظهر اليوم الاثنين، سيارة في بلدة كفرتبنيت بقضاء النبطية، الأمر الذي أسفر عن استشهاد سائقها. كذلك أطلقت قذيفة مدفعية صوب البلدة، أدّت إلى جرح المراسل الصحافي هادي عبد المنعم حطيط، بحسب ما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية الرسمية.
يُذكر أنّ تصاعد الأعمال العدائية على لبنان منذ الثاني من مارس/ آذار الماضي، دفع إلى تهجير نحو 1.4 مليون شخص من جنوبي لبنان ومناطق في شرقه وكذلك من ضاحية بيروت الجنوبية، وفقاً لبيانات أخيرة نشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). واليوم، بعد أكثر من ثلاثة أشهر على النزوح القسري الأخير على خلفية القصف والتهديدات بالإخلاء، الذي شمل آلاف العائلات الجنوبية، بدأ عدد من تلك العائلات بالتهيّؤ للعودة.
لكنّ قرار العودة، ولا سيّما إلى جنوبي لبنان الذي سوّى جيش الاحتلال عدداً كبيراً من قراه وبلداته الحدودية أرضاً فيما ألحق دماراً هائلاً في أخرى، بالإضافة إلى مدينتَي صور والنبطية، ما زال يثير تبايناً بين النازحين؛ ثمّة من يدفعه الشوق إلى العودة فوراً على الرغم من المخاطر والدمار، وثمّة من يفضّل الانتظار حتى تتوفّر ضمانات أمنية أو تتّضح أكثر صورة ما خلّفته الحرب. وفي حين تتعدّد الحالات، فإنّ المعاناة تبدو متشابهة.
في مركز نزوح بمدينة صيدا، جنوبي لبنان، 15 يونيو 2026 (العربي الجديد).
يقول حسن ياسر عياد، النازح من بلدة الصرفند في قضاء صيدا، لـ”العربي الجديد”، إنّ الأوضاع الأمنية ما زالت غير مستقرة، وفي الوقت نفسه تضرّر منزله بصورة كبيرة، الأمر الذي يجعل الظروف الحالية غير مشجّعة على العودة فوراً. ويقرّ بالتالي بأنّ كلّ ذلك دفعه إلى التريّث، والانتظار في مدينة صيدا، إلى حين اتّضاح الصورة أكثر.
بدورها، تشير سارة حسون، النازحة إلى مدينة صيدا من بلدة حاروف في قضاء النبطية، إلى أنّ عائلتها لن تعود في الوقت الراهن لعدم توفّر شروط الأمان. تضيف متحدثة لـ”العربي الجديد” أنّ منزلهم دُمّر في الحرب، الأمر الذي يفرض عليهم البحث عن مسكن بديل قبل اتّخاذ قرار العودة.
في الإطار نفسه، تفضّل فاطمة عبين، النازحة من بلدة مروحين في قضاء صور، الانتظار لبعض الوقت قبل العودة، ولا سيّما مع “غياب الضمانات الأمنية”، وتخبر “العربي الجديد” بأنّها نزحت أكثر من مرّة في خلال الحرب، وتنقّلت ما بين مدينتَي صور وصيدا. وتشير إلى أنّ منزلها في صور ما زال واقفاً وإن تعرّض لأضرار في الأبواب والنوافذ، غير أنّ منزلها في بلدة مروحين دُمّر كلياً.
أمّا حنين حسن جابر، النازحة من بلدة قانا في قضاء صور، فتفضّل الانتظار لبضعة أيام إضافية حتى تراقب المستجدّات الميدانية. وتفيد “العربي الجديد” بأنّ منزلها لم يتعرّض لأضرار مباشرة، إلا أنّ الأوضاع العامة والخسائر البشرية التي شهدتها البلدة تدفعها إلى “توخّي الحذر قبل العودة النهائية”.
في المقابل، يصرّ علي حسين الأعرج، النازح من بلدة السماعية في قضاء صور، على العودة، على الرغم من عدم معرفته حجم الأضرار التي لحقت بمنزله، ويقول لـ”العربي الجديد” إنّ “معاناة النزوح طالت أكثر ممّا يجب”، وبالتالي فإنّ العودة إلى الجنوب باتت أولوية بالنسبة إليه وإلى عائلته.
من جهتها، تقول رنا قاسم، النازحة من بلدة جباع في قضاء النبطية، إنّها قرّرت العودة إلى بلدتها والبقاء فيها، بعد أشهر من النزوح. وتؤكد لـ”العربي الجديد” أنّ “الحنين إلى الأرض والبيت أقوى من الظروف الشاقة” التي عاشتها في الفترة الماضية.
كذلك يبدو الشاب علي حسين الأعرج، النازح من بلدة السماعية في قضاء صور، متحمّساً للعودة. ويخبر “العربي الجديد” كيف أثّر النزوح على حياته اليومية ودراسته، بعدما اضطرّ إلى التنقّل بين أكثر من منطقة، ويؤكد عزمه على العودة برفقة عائلته، على الرغم من الأضرار التي لحقت بمنزلهم.
تجدر الإشارة إلى أنّ قيادة الجيش اللبناني – مديرية التوجيه أصدرت بياناً، اليوم الاثنين، عقب الإعلان عن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران التي تنصّ على وقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك جبهة لبنان. وقد رأت أنّه “في ظلّ التطوّرات الأخيرة في المنطقة، ومع تداول أخبار حول التوصّل إلى وقف لإطلاق النار، تؤكّد قيادة الجيش ضرورة تريّث الأهالي في العودة إلى القرى والبلدات الحدودية الجنوبية، والالتزام بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة”، وذلك “حفاظاً على سلامتهم من خطر الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية”.
وتابعت قيادة الجيش اللبناني – مديرية التوجيه أنّها “تُشدّد على توخّي الحيطة والحذر في الأماكن التي تعرّضت لاعتداءات إسرائيلية”، ودعت العائدين إلى بلداتهم وقراهم لـ”إبلاغ أقرب مركز للجيش أو للقوى الأمنية الأخرى عن الذخائر غير المنفجرة والأجسام المشبوهة” التي قد يصادفونها.

