حين ترفع واشنطن شعار «السلام»، يا صديقي، يصبح من المشروع أن نسأل أولا: من أين جاءت كل هذه الحروب؟ فالتاريخ الأمريكي في الشرق الأوسط لا يُقرأ فقط من خلال الاتفاقيات الموقعة وصور المصافحات الدبلوماسية، بل من خلال الخرائط التي تبدلت، والدول التي تفككت، والمدن التي تحولت إلى أنقاض. ومنذ أن أصبحت الولايات المتحدة اللاعب الأكثر تأثيرا في المنطقة، لم يكن حضورها مجرد محاولة لاحتواء الصراعات، بل مشاركة مباشرة في إعادة تشكيلها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
وفي الظاهر، تتحدث أمريكا عن الاستقرار والأمن والتنمية. لكن حين ننظر إلى النتائج على الأرض، يا عزيزي، نجد مشهدا مختلفا تماما. فـ«السلام الأمريكي» لم يكن في كثير من الأحيان سلاما بالمعنى الإنساني الذي تتطلع إليه الشعوب، بل صيغة لإدارة الأزمات والتحكم في موازين القوى. تتغير الإدارات الأمريكية، وتتبدل الشعارات، لكن القاعدة تبقى كما هي: واشنطن تتدخل في الصراع، ثم تتقدم لاحقا لتقديم نفسها بوصفها الوسيط القادر على إدارته.
ومن الحرب الباردة إلى غزو العراق، ومن اتفاقيات السلام في المنطقة إلى جولات التفاوض المتكررة، تتكرر الفكرة ذاتها بأشكال مختلفة. فكلما اشتعلت أزمة كبرى، حضرت الولايات المتحدة باعتبارها طرفا مؤثرا في صناعة المشهد، ثم عادت لتطرح نفسها باعتبارها مفتاح الحل. وكأن الحرب والسلام وجهان لعملة واحدة تدور في النهاية داخل المنظومة الأمريكية نفسها.
ولأن الشرق الأوسط، صديقي القارئ، ليس مجرد مساحة جغرافية عادية، بل أحد أهم مفاتيح التوازن الدولي، فقد تعاملت واشنطن معه باعتباره منطقة يجب أن تبقى تحت السيطرة المستمرة. ولهذا لم يكن المطلوب دائما إنهاء الصراعات بشكل جذري، بل إبقاؤها ضمن حدود يمكن التحكم فيها. فالصراع المنضبط يمنح القوى الكبرى نفوذا دائما، بينما يسحب السلام الحقيقي كثيرا من الأوراق التي تقوم عليها معادلات النفوذ.
ولعل هذا ما يفسر كثيرا من السياسات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية. فمشروعات إعادة تشكيل الشرق الأوسط لم تُطرح بوصفها حلولا نهائية بقدر ما قُدمت باعتبارها عمليات إعادة ترتيب للمشهد السياسي. وفي أكثر من دولة، من العراق إلى سوريا مرورا بليبيا، تركت الحروب والتدخلات الخارجية واقعا هشا سمح باستمرار التأثير الأمريكي بأشكال مختلفة، بينما دفعت الشعوب الثمن من استقرارها وأمنها ومستقبلها.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار قدرة واشنطن على تقديم سياساتها في صورة جذابة. فخطابها يأتي محملا بكلمات مثل الديمقراطية، والتنمية، وحقوق الإنسان، وإعادة الإعمار. غير أن هذه الوعود، يا عزيزي، كثيرا ما تصطدم بحقائق الميدان. فحين يتصاعد الدخان فوق المدن، وتزداد أعداد الضحايا، يصبح من الصعب إقناع الناس بأن كل ما جرى كان طريقا نحو السلام.
واليوم يبدو أن وعي الشعوب قد تغير. فالكثيرون لم يعودوا يكتفون بسماع العناوين الكبيرة أو متابعة المؤتمرات الصحفية، بل صاروا ينظرون إلى التفاصيل، وإلى النتائج الفعلية على الأرض، وإلى حجم الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع. ولهذا لم تعد الشعارات القديمة تمتلك التأثير نفسه الذي كانت تمتلكه قبل عقود.
وربما لهذا السبب تحديدا أصبح السؤال أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: هل كان السلام الأمريكي مشروعا لإنهاء الحروب فعلا، أم وسيلة لإدارة المنطقة من خلال أزماتها؟ وهل كانت الفوضى التي اجتاحت الشرق الأوسط مجرد أخطاء سياسية متراكمة، أم جزءا من معادلة أوسع حافظت على النفوذ الأمريكي لعقود طويلة؟
الجواب لا يحتاج إلى كثير من التنظير، يا صديقي. يكفي أن تنظر إلى المدن التي هُدمت باسم الاستقرار، وإلى الشعوب التي وُعدت بالديمقراطية فوجدت نفسها وسط الفوضى، وإلى الأطفال الذين كبروا بين أصوات القصف والخوف.
فإذا كانت كل هذه الحروب قد قادت في النهاية إلى «السلام الأمريكي»… فكم حربا أخرى يحتاجها العالم حتى يكتشف أن المشكلة ربما لم تكن في غياب السلام، بل في الطريقة التي يُصنع بها؟
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع.

