هل تخيلت يوماً وأنت تجلس إلى مائدة الطعام، تتناول وجبة شهية من الدجاج المحمر أو البط المشوي، أنك في الحقيقة تقضم جزءاً من التاريخ الجيولوجي الأكثر رعباً وإثارة على وجه الأرض؟

 

قد تبدو هذه العبارة ضرباً من الخيال العلمي أو المبالغة الصحفية، لكنها في الواقع حقيقة بيولوجية دامغة تدعمها أحدث الاكتشافات الوراثية والمستحاثات: الطيور الداجنة التي نربيها اليوم في مزارعنا هي الامتداد المباشر والناجي الوحيد من سلالة الديناصورات!

 

من عرش “التيرانوصور” إلى وداعة المزارع.

لعقود طويلة، رسمت لنا السينما العالمية صورة الديناصورات كزواحف ضخمة حُرشفية تشبه التماسيح العملاقة لكن ثورة العلم الحديث قلبت الطاولة، إذ أثبتت التحليلات الدقيقة للحمض النووي (DNA) ومقارنة بروتينات العظام، أن الدجاج والبط والإوز ينحدرون مباشرة من سلالة ديناصورات تُدعى “الثروبودات” وهي عائلة الديناصورات آكلة اللحوم التي تمشي على قدمين، والتي تضم الديناصور المرعب “تيرانوصور ركس” والفيلوسيرابتور الذكي.

 

المفاجأة التي قد تدهش الكثيرين هي أن تلك الكائنات المخيفة لم تكن عارية، بل كان يكسوها الريش الكامل الملون! فالريش لم ينبت في الأصل للطيران، بل نشأ كآلية عبقرية من الطبيعة لمنح تلك الديناصورات الدفء ولإغراض التودد وجذب الشركاء، تماماً كما يفعل الطاووس أو الديك في عصرنا الحالي.

 

“الأركيوبتركس”.. الحلقة التي فضحت السر.

في بطن التاريخ، وتحديداً في عام 1861، عثر العلماء في ألمانيا على أحفورة كائن يُدعى “أركيوبتركس” وهي الاحفورية التي اعتبرها علم الأحياء “الحلقة المفقودة”.

هذا الكائن كان يجمع بطريقة عجيبة بين عالمين فم مليء بالأسنان الحادة، وذيل عظمي طويل ومخالب بارزة في أجنحته كأي ديناصور، وفي الوقت نفسه، يمتلك أجنحة كاملة مكسوة بريش طيران متطور تماماً كأجنحة البط والحمام اليوم.

 

ومع ارتطام النيزك الشهير بالأرض قبل 66 مليون سنة، والذي أباد الديناصورات العملاقة، نجت الحيوانات الصغيرة من هذه العائلة. أجداد البط والإوز لجأوا إلى المستنقعات والبحيرات وتغذوا على النباتات المائية والبذور المدفونة، فتطورت أقدامهم لتصبح غشائية تساعدهم على السباحة بينما ظل أجداد الدجاج طيوراً أرضية تنبش التربة، حتى استأنسها البشر قبل نحو 10 آلاف عام في أدغال آسيا، لتتحول تدريجياً إلى الطيور الوديعة التي نعرفها اليوم.

 

إن الدليل على هذا الأصل الأسطوري ليس مدفوناً في الصخور الفيكتورية فحسب، بل ينبض في تفاصيل الطيور اليوم، فالقانصة (المعدة القوية) التي تستخدمها الدواجن لطحن الطعام بالحصى هي نفس الآلية التي اعتمدتها الديناصورات.

 

وبقايا المخالب الصغيرة في أجنحة الصغار ما هي إلا إرث قديم. بل إن علماء جامعتي “ييل” و”هارفارد” نجحوا في تجارب مخبرية حديثة من تعديل جينات أجنة الدجاج لتنمو بأشداق ومناقير تطابق تماماً فكوك الديناصورات التمساحية!

 

كلمة أخيرة..

في الشريعة الإسلامية، تظل هذه الطيور من “الطيبات” التي أحلها الله لنا بالإجماع، فالأحكام تُبنى على واقع الكائن الحالي الوديع المغتذي على الطيبات، لا على تاريخه الجيولوجي.

لكن، في المرة القادمة التي تتأمل فيها بطة تسبح بسلام، أو دجاجة تبحث عن رزقها في الأرض، تذكر أنك تنظر إلى كائن يحمل في عروقه شفرة عملاق وُجد قبل ملايين السنين، وأن الطبيعة استبدلت زئير الديناصورات المخيف بصوت ثغاء البط وقوقأة الدجاج على موائدنا.

ظهرت المقالة الديناصورات في أطباقنا .. الحقيقة المذهلة خلف الدجاج والبط والإوز أولاً على جريدة الصوت المصرية.