جدول المحتوى
.
طرح استثناء ملف قطاع غزة من الاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران، تساؤلات حول الأسباب التي دفعت طهران لاتخاذ هذا المنحى خلافًا للمواقف التي كانت تقدمها سابقًا، وكذلك حول مستقبل حركة حماس التي كانت أبرز الحلفاء الفلسطينيين ضمن ما يُعرف بـ”محور المقاومة”.
وتمسكت إيران بالتزام إسرائيل بوقف إطلاق النار في لبنان، رغم تعقيد هذا الملف واستمرار هشاشة تطبيق الاتفاق بعد أن بقيت جبهة المواجهة مشتعلة بين إسرائيل و”حزب الله” خاصة في عمق مناطق جنوب لبنان، في حين لم يشمل هدوء الجبهات وضعًا مماثلًا في قطاع غزة الذي يتعثر فيه تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار.
ثلاثة أسباب
ويرى الكاتب والمحلل السياسي عمر دواس، أن هناك ثلاثة مستويات لتفسير قرار طهران باستثناء قطاع غزة من الاتفاق، مشيرًا إلى أن إيران تخلت بفعل المتغيرات الأخيرة عن إستراتيجية “وحدة الساحات” واستبدلتها بـ”وحدة المصالح”.
ويقول دواس لـ”إرم نيوز”: إن “المفاوضات مع الولايات المتحدة كشفت أن إيران تضع أمنها فوق حسابات الحلفاء، لذلك ركّزت على الملف الذي يمس أمنها الإستراتيجي المباشر، أي الجبهة اللبنانية؛ لأنها مرتبطة بردع إسرائيل وفق مفهومها، ومنع استمرار العمليات العسكرية القريبة من الحدود الإيرانية غير المباشرة، في حين أصبحت غزة ساحة أقل قدرة على التأثير”.
ويضيف المحلل السياسي أن “حزب الله يمثل الذراع العسكرية الأكثر التصاقًا بالمؤسسة الإيرانية، سواء في التمويل أو التسليح أو القيادة الإستراتيجية، بينما تتمتع حماس بهامش قرار أكبر، كما أن علاقتها بطهران شهدت محطات من التوتر خلال السنوات الماضية وحتى في قرار السابع من أكتوبر يمكن القول، إن إيران لم تكن راضية عنها تمامًا؛ ما يعني أن حزب الله الحليف الأكثر التزامًا تجاه طهران من حماس”.
ويرى دواس، أن السبب الثالث لتجاهل ملف قطاع غزة، هو أن الولايات المتحدة بدت معنية بفصل المسارات، مضيفًا “لم تُمنح إيران حق التحول إلى وسيط أو ضامن في مفاوضات غزة”، مشددًا على أن إسرائيل تعتبر غزة شأنًا داخليًّا لا يمكن أن تربطه بأي ترتيبات إقليمية.
انتهاء “وحدة الساحات”
ويعتبر دواس، أن مفهوم “وحدة الساحات” بصيغته قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول انتهت، مضيفًا “لكن فكرة المحور لم تنته”.
ويقول: “منذ هجوم السابع من أكتوبر شهدنا تفاوتًا في مستوى الانخراط بين غزة ولبنان و اليمن والعراق، ثم انتهى الأمر بدخول كل ساحة في حسابات منفصلة، كما أن الضربات التي تعرّض لها حزب الله، والضغوط على الفصائل العراقية، والتفاهمات المتعلقة باليمن، كلها أظهرت أن لكل ساحة سقفها السياسي الخاص”.
ويضيف “أعتقد أن إيران تتجه إلى نموذج جديد يمكن تسميته وحدة المصالح لا وحدة الساحات، أي أن أطراف المحور ستبقى موجودة، لكنها لن تتحرك تلقائيًّا كجبهة واحدة ولن تكون مرتبطة ارتباطًا حاسمًا ببعضها البعض، وإنما وفق قرار مركزي يأخذ في الاعتبار المصلحة الإيرانية أولًا، وظروف كل ساحة ثانيًا، وكلفة التصعيد ثالثًا”.
ويمضي دواس قائلًا: “هذا تحول إستراتيجي مهم، لأنه ينقل المحور من حالة التعبئة العقائدية إلى إدارة أكثر براغماتية للأزمات”.
ويتابع “تجد حماس نفسها أمام إحدى أكثر اللحظات حساسية منذ تأسيسها؛ لأن ما تغير ليس فقط ميزان القوى، بل البيئة الإقليمية التي بنت عليها جزءًا من إستراتيجيتها منذ سنوات”.
موقف حماس
ويقول دواس: “الحركة كانت تنظر إلى التقارب الإيراني الأمريكي باعتباره فرصة لإدخال غزة ضمن صفقة أوسع، أو على الأقل ضمان ألا تبقى القضية الفلسطينية خارج ترتيبات المنطقة الجديدة، لكن ما حدث عمليًّا أن لبنان حضر في التفاهمات، بينما بقيت غزة خارجها، وهو ما شكل، على الأرجح، خيبة أمل داخل الحركة”.
ويضيف: “أعتقد أن حماس تبدو أقرب إلى إيجاد صيغة لضمان خروج الحركة من المرحلة الحالية باعتبارها جزءًا من النظام السياسي المقبل، لا ضحيته، ومن هنا فإن الحركة قد تصبح أكثر مرونة تجاه ملفات كانت تعتبرها خطوطًا حمراء، مثل نقل جزء من القدرات العسكرية أو الإشراف عليها إلى لجنة إدارة غزة أو إطار فلسطيني أوسع يحظى برعاية عربية”.
ويرى الكاتب الفلسطيني، أن حماس لم تعد تواجه فقط ضغوطًا خارجية، بل بدأت تواجه استحقاقات داخلية أيضًا، مضيفًا: “الحراك الشعبي المتوقع في السادس والعشرين من الشهر الجاري، حتى لو لم يتحوّل إلى ظاهرة واسعة، يمثل إشارة مقلقة للحركة؛ لأن الشرعية الشعبية كانت دائمًا أحد أهم مصادر قوتها”.
ويضيف: “إذا اقترن الانسداد السياسي بتنامي الضغوط المجتمعية، فإن أولوية القيادة قد تتحول من تعظيم المكاسب إلى منع خسارة الحاضنة الداخلية، لذا قد تقبل حماس بتسويات كانت تبدو مستحيلة قبل عام، ليس لأنها اقتنعت بوجهة نظر خصومها، بل لأنها تدرك أن النظام الإقليمي الجديد يتشكل من حولها، وأن البقاء داخل هذا النظام، ولو بصلاحيات أقل ونفوذ مختلف، قد يكون أفضل من المخاطرة بالوقوف خارجه بالكامل”.
خارج الحسابات
بدورها ترى الكاتبة والمحللة السياسية رهام عودة، أن غزة أصبحت خارج الحسابات العسكرية والسياسية بالنسبة لإيران، على عكس ما عليها الحال في لبنان.
وتقول عودة لـ”إرم نيوز”: “عدم ذكر غزة في الاتفاق الإيراني الأمريكي يدل أن غزة خرجت من الحسابات العسكرية الإيرانية بسبب تدمير القطاع بشكل شبه كلي، وصعوبة توظيف قطاع غزة كجزء من وحدة الساحات والعمليات العسكرية ضد إسرائيل مثلما يفعل حاليًّا حزب الله”.
وتضيف: “حاولت إيران سابقًا مجاملة حماس ووعدتها بتضمين غزة في الاتفاق ولكن في النهاية غلبت إيران مصلحتها القومية على الملف الفلسطيني، حيث هناك أولويات إستراتيجية أخرى لدى إيران”.
وتتفق عودة، في أن إيران تعلم أن إسراٸيل لن توافق على فرض أي معادلات جديدة بضغوط إيرانية في ملف قطاع غزة، مضيفة “لذا تجنبًا لإضاعة الوقت في ملف محكوم عليه بالرفض مسبقًا فضلت أن لا تركز عليه”.
ترميم قدرات الفاعلين
وتقول عودة إن “إيران تحاول ترميم إستراتيجية وحدة الساحات، ولكن ليس مع كل اللاعبين في المنطقة، هي تحاول ترميمها مع حزب الله وربما مع الحوثيين والفصاٸل العراقية”.
وتضيف المحللة السياسية “بالنسبة للفصائل الفلسطينية فاعتقد أنها خرجت من الحسابات العسكرية الإيرانية، بسبب صعوبة تمويل عملياتها مرة أخرى، وتدمير معظم البنية العسكرية لهذه الفصائل في غزة”.
وتشير إلى أن مقتل معظم قادة الصف الأول في حماس أفقد إيران القدرة الاتصال المباشر والفعال مع الأجنحة العسكرية الفلسطينية.

