جدول المحتوى
.
بروكسل-سانا.
تتجه الأنظار إلى اجتماع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي “الناتو”، المقرر غداً الخميس في بروكسل، وسط تصاعد القلق الأوروبي من تداعيات قرار واشنطن تقليص مساهماتها العسكرية داخل الحلف، في خطوة ينظر إليها على أنها قد تعيد رسم توازنات الردع داخل أوروبا، وتضع قدرة الحلف على مواجهة روسيا أمام اختبار غير مسبوق قبل قمة أنقرة في تموز المقبل.
وبحسب تقارير لفرانس برس، فإن الولايات المتحدة تعتزم خفض جزء من قدراتها العسكرية المخصصة للناتو، بما يشمل تقليص عدد الطائرات المقاتلة والقاذفات الاستراتيجية، وسحب بعض الأصول البحرية مثل حاملة طائرات وغواصات كانت مخصصة لخطط الحلف، في حين تبقى مسألة وجود نحو 80 ألف جندي أمريكي في أوروبا غير محسومة بشكل نهائي، وسط تصريحات متضاربة من واشنطن حول حجم التعديلات المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه تقارير لوسائل إعلام عدة إلى أن البنتاغون سبق أن ناقش خفضاً جزئياً لقواته في أوروبا، مقابل تعزيز انتشار محدود في بولندا، ما يعكس تحولاً في مقاربة واشنطن لالتزاماتها داخل الناتو، من التموضع الدائم إلى إعادة توزيع المهام الدفاعية وفق الأولويات الأمريكية العالمية.
مخاوف أوروبية من فراغ دفاعي
وفي المقابل، تحذر دراسات أمنية وخبراء في الشأن العسكري من أن أوروبا قد تجد نفسها أمام فجوة كبيرة في القدرات الدفاعية إذا ما تراجع الدور الأمريكي، وخصوصاً في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، والضربات الدقيقة بعيدة المدى، والاستخبارات والقيادة والسيطرة، وهي مجالات لا تزال تعتمد فيها القارة بشكل واسع على الولايات المتحدة.
ويؤكد خبراء لـ “دويتشه فيله”، أن تعويض هذه القدرات ليس مستحيلاً من الناحية التقنية، لكنه يتطلب إرادة سياسية واستثمارات ضخمة وتنسيقاً دفاعياً أوسع بين الدول الأوروبية، في ظل استمرار التشرذم داخل مشاريع التسليح المشتركة، وفشل عدد من البرامج الكبرى مثل مشروع المقاتلة الأوروبية الفرنسية – الألمانية “FCAS”، الذي واجه عقبات صناعية وسياسية حالت دون استكماله بالشكل المخطط له.
وفي المقابل، ترى تحليلات للتلفزيون الألماني أن دول الناتو، حتى دون الولايات المتحدة، لا تزال تتفوق عسكرياً على روسيا في عدة مؤشرات رئيسية، لكنها تحتاج إلى تطوير قدرات نوعية مثل النقل الجوي والفضائي والحرب السيبرانية لضمان توازن الردع المستقبلي.
روته: الردع الأمريكي ثابت
وفي موازاة ذلك، دافع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته عن التعديلات الأمريكية، مؤكداً أن واشنطن لم تنسحب من التزاماتها داخل الحلف، بل تعيد توزيع أدوارها بما يتماشى مع التحديات العالمية.
وقال روته في تصريحات نقلتها رويترز: إن من “المنطقي أن تتحمل أوروبا وكندا نصيباً أكبر من مسؤولية الدفاع التقليدي عن القارة”، معتبراً أنه “من غير الطبيعي استمرار الاعتماد على دولة تبعد آلاف الكيلومترات للدفاع عن أوروبا في مواجهة روسيا”.
كما شدد روته على أن المظلة النووية الأمريكية لا تزال قائمة، وأن الردع النووي داخل الناتو لم يتأثر، رغم المخاوف المتزايدة من تراجع الثقة نتيجة القرارات الأحادية وتباين إدراك التهديد بين ضفتي الأطلسي.
انتقال منظم أم فوضوي ؟
وتحمل اجتماعات بروكسل المرتقبة، التي ستجمع وزراء دفاع الناتو مع نظيرهم الأمريكي بيت هيغسيث، حسب ” دويتشه فيليه” طابعاً مفصلياً، إذ يتوقع أن تطرح خلالها خريطة طريق أوروبية لتعويض القدرات الأمريكية، تمهيداً لقمة أنقرة، وسط ثلاثة سيناريوهات محتملة: انتقال منظم للمهام، أو انتقال متسارع تحت الضغط، أو انتقال فوضوي في حال غياب التوافق السياسي داخل الحلف.
ويحذر خبراء أمنيون من أن أي انتقال غير منسق قد يؤدي إلى اهتزاز في بنية الردع الغربية، وخصوصاً إذا ترافقت التخفيضات الأمريكية مع إعادة توزيع القوات خارج أوروبا، ما قد يخلق حالة “فراغ استراتيجي مؤقت” تستفيد منه روسيا في حسابات التوازن الإقليمي.
إعادة تعريف العلاقة عبر الأطلسي
وتطالب واشنطن منذ سنوات بزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، وتقليل الاعتماد على قدراتها، مقابل إبقاء الالتزام السياسي والعسكري الأمريكي ضمن إطار الحلف.
وفي ظل هذا التحول، تبدو أوروبا اليوم أمام مرحلة إعادة بناء بطيئة ومعقدة لقدراتها الدفاعية، في وقت تتسارع فيه التحديات الأمنية شرق القارة، ما يجعل اجتماع بروكسل المقبل اختباراً عملياً لمدى قدرة الناتو على التكيف مع مرحلة ما بعد “الهيمنة الأمريكية المطلقة”.

