في أقل من شهر، طرح الفنان اللبناني وائل كفوري عملَين غنائيَّين؛ الأول بعنوان “شو مشتقتلّي” (كلمات سين)، والثاني أطلقه قبل أيام تحت اسم “سارقلي عمري” (كلمات سليم أبو جودة). وقد تولى طارق أبو جودة صياغة الألحان في كليهما، بينما حمل التوزيع الموسيقي للأغنيتَين بصمة عباس صبّاح.

تُعيدنا هاتان الأغنيتان مباشرةً إلى العصر الذهبي لألحان طارق أبو جودة في بداية الألفية الثالثة. يُحسب لأبو جودة براعته المعهودة في توظيف الجملة اللحنية الشعبية وتحويلها إلى عناصر تدخل في أعمال جماهيرية ضاربة، وهو النهج الذي برز بوضوح حين ساهم في رسم الهوية الفنية للمغنية اللبنانية يارا. غير أنّ أعمال كفوري الأخيرة تكاد تخلو من أي تجديد يُذكر، لتعكس أزمة أعمق يواجهها المشهد الغنائي اللبناني برمته؛ وتتمثل في ندرة الكوادر القادرة على تقديم نبض موسيقي وشعري مختلف ومبتكر.

رغم غياب الابتكار، يدرك صاحب “ما وعدتك بنجوم الليل” جيداً كيف يدير قواعد اللعبة الترويجية. هو يعلم أن جمهوره الوفي يشكل ضمانة مسبقة لنجاح أي إصدار يطرحه، ويكفل تصدّره عبر المنصات الرقمية وحضوره القوي في حفلاته الصيفية المرتقبة في بيروت. غير أنّ هذا الضمان الجماهيري يجعله، للأسف، يبتعد عن المغامرة أو استثمار الجهد والمال في تقديم أعمالٍ ذات قيمة فنية عالية، توازي إمكاناته الصوتية الاستثنائية وتاريخه الطويل.

على الصعيد التقني، تعاني أغنية “سارقلي عمري” من ضعف ملحوظ في التوزيع الموسيقي السليم. ويبدو أن أعباء الإنتاج المادية باتت تلقي بظلالها على خيارات كفوري، ولا سيّما بعد اختياره الاستقلال التام عن شركات الإنتاج هرباً من مشاكلها، متولياً بنفسه مهام الإنتاج التنفيذي وإدارة حفلاته.

ورغم أن الأرقام تبدو لصالحه، إذ حصدت “شو مشتقتلّي” نحو 12 مليون استماع؛ إلّا أن هذا الانتشار لا يبرر استسهال فريقه في العودة إلى قوالب موسيقية تعتمد على استنساخ الألحان التركية واليونانية، وهي الثيمة التي طالما رافقت ألحان أبو جودة في تعاوناته السابقة، مع شعراء أمثال الراحل إلياس ناصر، وسمير نخلة.

ولم يقتصر الأمر على أبو جودة، إذ ما زالت تقتحم الألحان التركية واليونانية الأغنية العربية حتى يومنا هذا، وقد استعان بها كفوري سابقاً في عدة أغانٍ، أبرزها “بالغرام” (ألحان إبراهيم تاتليسس وكلمات إلياس ناصر).

من جهة أخرى، لا يمكن عزل هذا الرواج الرقمي للأغنيتَين عن عوامل خارجة عن سياق الفن؛ إذ أسهم السجال الأخير حول الخسارة الملحوظة في وزن كفوري، والتساؤلات “الصحية” التي رافقت ذلك، في لفت الانتباه وتوجيه الفضول نحو الاستماع لجديده.

يحاول وائل كفوري الحفاظ على حضوره المستمر في الساحة بأي ثمن، لكنه يقع ضحية الاستسهال الموسيقي، مكتفياً بالتأرجح على أمجاد شهرة حصدها قبل ثلاثين عاماً منذ بروزه في برنامج “استديو الفن”، ليبقى أسير لحظة إعجابٍ يبدو أنه يخشى مغادرتها.