نعمت كريدلي.
النظام البرجومائي ينبذ وجود حاكم فاسد، ولذلك جرّد الأغلبية المغفّلة من سلطة اختيار السلطة كونها لا تؤدي إلا دور الناخب ومحامي الشيطان. أما النخبة البرلمانية الواعية والوطنية والمستقلة فلا تستقطب إلا المتيقظين، القادرين على تعيين حاكم/ة متيقظ/ة. وفي ما يتعلق بالحاكم الفاسد المنبوذ في الدولة البرجومائية، فهذه أبرز صفاته:
يروج لفكرة فناء الدنيا والحصول على جوائز الصبر على الفقر والظلم والفساد في الآخرة. يسعى ليربط الدين بالدولة لتنفيذ مخطط الصبر الدنيوي من أجل الفرج الأبدي بعد الموت، وبذلك يضمن أغلبية خاضعة مستسلمة لكافة أشكال الظلم والفساد والدمار.
يستحوذ على مراكز صنع القرار في الدولة لإضعاف كل المؤسسات العامة، وفي نفس الوقت يبني إمبراطوريته الخاصة ليقدم من خلالها الخدمات التي كان من المفترض تقديمها عبر المؤسسات العامة. لماذا؟ ليضمن الولاء والتبعية ويحول الحقوق إلى آلية شحاذة تفقد الإنسان الحر كرامته وعزة نفسه، فينكسر من الداخل ويعتاد على الشحاذة. فعندما تصبح شحاذة الحقوق مألوفة، تضمحل الدهشة التي تنشأ بعد التجربة الأولى. أين الخطورة في ذلك؟ يخلق هذا التآلف مع الانكسار الداخلي لدى المواطن/ة تقبّلاً لأي انهيار مؤسساتي قد يحصل.
يخلق عدواً ولا يسعى أبداً إلى القضاء عليه، بل يحرص على بقائه من خلال جولات انتقائية من القتال كي يثبت للعامة خطورة هذا العدو، وبالتالي يضمن لجوء العامة الدائم للاستنجاد به.
يدعم التفاهة والتطرف في المجتمع من خلال الإعلام المبرمج على إظهار التافهين والمتطرفين، ويهمّش أصحاب الفكر ويجعل الأغلبية المغفّلة تحكم عليهم بالكفر والجنون والعهر. لذلك، تراه لا يدعم البحث العلمي والإنتاج الأدبي، بل يصرف أموالاً طائلة على دور العبادة والمتحدثين باسم الله الذين يقنعون الناس بأن تطور المجتمع والدولة ليس له علاقة بالعلم والمعرفة، بل بممارسة الطقوس الدينية من دون أي نقد أو تفكر.
يشجع العامة على الهجرة من خلال إقناعهم باستحالة التغيير والإصلاح بسبب وجود عدو ما، وفي الوقت نفسه يحاول هذا الحاكم الفاسد طرد الأدمغة من موطنها عبر تضييق سبل العيش تارة ومغازلة قدرتها على التكيف مع أي مجتمع أو أزمة تارة أخرى.
يشجع ويعمل جاهداً على استمرار الاستهلاك الاقتصادي والفكري ويعرقل أي مساعٍ جادة للإنتاج. لماذا؟ لأن طبيعة العمل الإنتاجي تحفز على الاستقلالية والسيادة. إقرؤوا جيداً ماذا سأكتب:
الإنسان المنتج يطور مضادات طبيعية للفساد!
الحاكم الفاسد يحول المدارس إلى معتقلات فكرية والمناهج الدراسية إلى قوانين غير قابلة للنقد. ماذا ينتج هذا التحول؟
ينتج روبوتات بشرية تنبذ التفكير النقدي وتحظر المساس بالمسلمات التي تروض العامة على الانصياع للمعرفة التي تسمح بها السلطة.
يعتبر أن الحيوانات والبيئة والمناخ والغذاء الصحي أمور ثانوية لا قيمة لها ولا يربط وجود الإنسان بها. لذلك، تجده يسحق التنوع البيولوجي في منطقة ما مثلاً ليقوم بمشروع استثماري يخدم مصالحه الشخصية. هذا الحاكم الفاسد يستحيل أن يحارب التلوث والتصحر ومسببات الأمراض، لأن تداعيات هذه المشاكل البيئية والصحية تدر عليه أموالاً هائلة وتؤدي إلى تدهور صحي لأغلبية الشعب، وبالتالي ينشغل المواطن بوضعه الصحي المتردي وتأمين لقمة العيش بدلاً من المحاسبة والمساءلة.
لغة الحاكم الفاسد متناقصة، متلاعبة، وشعبوية، يختار الحاكم الفاسد مصطلحاته بعناية ووعي، فيوجه خطابه بأسلوب يناسب فهم الأغلبية المغفّلة. فمثلاً، يمكن أن يعدهم ولا يعدهم بحل مشكلة ما في نفس العبارة. ودائماً ما يدخل في خطابه حقولاً دلالية للقضاء والقدر وأحاديث دينية تحث على الصبر وتربط الابتلاء بالإيمان والتبعية له بالقرب من الله والثواب بعد الموت. للحاكم الفاسد لغة خاصة يتقن قواعدها القابلة للاستثناء ويستثمر في معانيها المتشعبة ويمتهن أساليبها الحرباسية. لغته تبدو بسيطة، مسكينة، ومباشرة، إلا أن دلالاتها تعكس وعيه لمخاطبة جمهور بسيط، مسكين ومباشر.
هو ذكوري من إنتاج سلطة أبوية يسعى إلى معاملة المرأة كمواطنة درجة ثانية ويستغل الفجوات التقليدية والدينية والقانونية لإبقاء النساء في أدوار التكاثر والمتعة. يرفض الحاكم الفاسد تغيير القوانين الذكورية التي تظلم المرأة وتحرض على التمييز ضدها. لا يعترف الحاكم الفاسد بعقل المرأة ويعتبرها كائناً دونيّاً غير قادر على إدارة البلاد وفي الوقت نفسه يقوم هو بنهب هذه البلاد نفسها وهو يتبجح بتفوقه العقلي على المرأة.
هو تابع دائماً لقوى خارجية استعمارية، ينفذ أوامرها التي غالباً ما تكون ضد مصلحة شعبه وبلاده.
يصمم شعباً هشاً سريع الاشتعال بالفتن وسهل الانقياد للصراعات الداخلية من خلال تدمير العلاقات الأسرية، تشتيت الهوية الوطنية، إفراغ التعليم من التفكير النقدي، صناعة نجوم من حثالة المجتمع (الجهلة والأغبياء)، وخلق أزمة أخلاقية طويلة الأمد ( بحيث يصبح السباب والشتائم مألوفاً في الأماكن العامة ووسائل التواصل الاجتماعي).
يأخذ جزءاً من الحقيقة ويحوله إلى كل غير قابل للتجزئة، فيأخذ جزءاً من حقيقة علمية أو اجتماعية أو تاريخية ويروج لها على أنها الحقيقة الكاملة لتصب في النهاية في مصلحته الشخصية.
الحاكم الفاسد يعتمد على الضرائب التي يجنيها من الشعب والقروض من المؤسسات الدولية الكبرى لدعم إمبراطوريته الإقتصادية الخاصة والتي من خلالها يشتري ولاء الشعب مقابل الحد الأدنى من الحياة.
إن النظام البرجومائي يرفض وجود هكذا حاكم في الدولة، لأنه لا يزدهر إلا عندما تنهار الدولة ويفسد المجتمع وينهش الشعب بعضه؛ هو طفيليّ يعتاش على حقوق الناس وثروات البلاد وخزائن الدولة. فإذا أرادت الدولة النهوض بعد الانهيار العظيم، عليها أن تلفظ كل الطفيليات التي تسببت بتآكلها وسحب السلطة من أيدي الأغلبية المغفّلة التي تجذب هذه الطفيليات إلى كيان الدولة.

