أمد/ يسعى الفلسطنيون لتعزيز المساءلة الدولية والرفع القضائي الفردي، في 1-4-2015، سُجِّلت دولة فلسطين رسمياً كدولة طرف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لتدخل بذلك نادياً قانونياً ضيقاً، وتفتح الباب أمام إمكانية ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية على أراضيها الفلسطينية؛ بعد ما يزيد على عقد من هذا القرار المصيري، وبعد أن تجاوزت أعداد ضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة أكثر من 72 ألف قتيل( شهداء باذن الله)،وأكثر من عدد 173 الف جريح فلسطيني على مدار عامين من الابادة الجماعية من اكتوبر2023 إلى اكتوبر2025، وتحويل قطاع غزة إلى أكبر سجن عالمي؛ بل إلى مقبرة مفتوحة للشهداء والجرحى من الأطفال والنساء في زمننا المعاصر دون اي رادع او عقاب؛ لا تزال دولة الاحتلال الإسرائيلي تواصل حربها وعدوانها في فلسطين؛دون احترام للقانون الدولي، أو للاتفاقيات الدولية، لا في المحاكم الدولية، ولا في قاعات مجلس الأمن، أو الامم المتحدة .
لا يعود هذا العجز في مساءلة دولة الاحتلال الاسرائيلي إلى غياب الأدلة، بل إلى تراكم هائل من التحديات التقنية والسياسية، فالأدلة الرقمية الهائلة التي ينتجها الصحفيون وعائلات الضحايا الفلسطينيين على منصات التواصل وغيرها،يمكن التلاعب بها أو حذفها، وسلسلة حيازتها معرضة للتشكيك القانوني، والأهم أن الضحايا أنفسهم أو عائلاتهم،يفتقرون إلى آلية منهجية لرفع قضاياهم فردياً دون وسطاء.
هنا يبرز السؤال المحوري الذي يعالجه هذا المقال المتواضع للدكتور عبدالحكيم سليمان وادي؛ كيف يمكن للفلسطينيين، باستخدام تقنيات البلوك تشين (Blockchain) وسلسلة الكتل، لتوثيق الأدلة على جريمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي نفذها جيش الاحتلال الاسرائيلي في قطاع غزة، وكيف يمكن الحفاظ عليها من الحذف أو التلاعب الرقمي، ثم العمل من خلال هذه الأدلة على رفع قضايا فردية للهيئات القضائية الدولية المعنية، وذلك لتعويض ضعف المساءلة المحلية؛ وانعدام سلطة قضائية وطنية مستقلة قادرة على ملاحقة قادة الاحتلال الاسرائيلي.
لعل النقطة الجوهرية التي يجب التوقف عندها هنا، أن تحولاً تقنياً وسياسياً بهذا الحجم لا يمكن أن يتحقق ما لم تتعاون الجهات الحقوقية مع المطورين وبيوت الخبرة التقنية لبناء نموذج فلسطيني خاص، يلتزم بالمعايير الدولية لحفظ الأدلة الرقمية المقبولة في المحاكم الدولية للدول الأعضاء في نظام روما،وكذلك في المحكمة الجنائية الدولية الدائمة.
-السؤال الإشكالي:
كيف يمكن للفلسطينيين، باستخدام تقنيات البلوك تشين (Blockchain) وسلسلة الكتل، لتوثيق الأدلة على جريمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في قطاع غزة، والحفاظ عليها من الحذف أو التلاعب الرقمي، ثم العمل من خلال هذه الأدلة على رفع قضايا فردية للهيئات القضائية الدولية المعنية مثل(المحكمة الجنائية الدولية)، وذلك لتعويض ضعف المساءلة المحلية وانعدام سلطة قضائية وطنية مستقلة قادرة على محاكمة مرتكبي هذه الجرائم من قادة الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين.
أولاً: تعريف البلوك تشين – الأدلة الرقمية التي لا تُشطب ولا تُنسى
تخيل أن كل مقطع فيديو يوثق قصف مدرسة فلسطينية في غزة، وكل صورة تظهر تدمير حي سكني، وكل شهادة مسجلة لممرضة تحت القصف الاسرائيلي، لا يمكن حذفها أو تغييرها أبداً، وتظل موجودة بعلامة زمنية موثوقة ومتاحة للجميع؛ هذا هو جوهر تقنية البلوك تشين في أبسط صورها؛ (هي سجل رقمي لامركزي، موزع على آلاف الحواسيب، لا يمكن التلاعب بالمعلومات المسجلة فيه أو حذفها)؛ مما يمنح الأدلة صفتين ثمينتين هما:
1-الثبات (Immutability)
2-التوقيت الموثق.
(Tamper-proof Timestamping).
لم تعد هذه الرؤية حكراً على العملات الرقمية أو التطبيقات المالية؛ فاليوم، مؤسسات دولية كبرى مثل “مؤسسة فايل كوين” (Filecoin Foundation) ومؤسسة “جي إس آر” (GSR Foundation) تمول مشاريع متخصصة في تخزين اللامركزي لحفظ أدلة جرائم الحرب، وأرشفة روايات اللاجئين الشفهية لحمايتها من الاندثار، والأرشيف الرقمي لمشروع “ستارلينغ لاب” (Starling Lab) بجامعة ستانفورد يستخدم تقنية سلسلة الكتل لحماية الصور ومقاطع الفيديو من التزييف في بيئات الصراع.
تمتد هذه الفكرة إلى عالم الدراسات الأكاديمية المتخصصة؛ ففي دراسة نشرتها مجلة بلوك تشين (Blockchain) العلمية في يونيو 2026، طوّر باحثون فلسطينيون وعرب نموذجاً حاسوبياً متكاملاً لإدارة الأدلة الرقمية يعتمد على نظام الملفات اللامركزي (IPFS) وتقنيات سلسلة الكتل (Hyperledger Fabric)، يضمن حماية الأدلة من الوصول غير المصرح به ويمنع أي تغيير عليها. وقد أوصى الباحثون بضرورة ضمان توافق هذا النموذج مع اللوائح المحلية والمعايير الدولية لقبول الأدلة في المحاكم. النقاط الإضافية في هذه الفقرة تتضمن التالي:
1-فكرة التشفير النهائي (Hashing)، حيث تُستخدم خوارزميات لتوليد بصمة رقمية فريدة لكل مقطع فيديو أو صورة تشبه بصمة الإصبع، وتُسجل هذه البصمة على سلسلة الكتل، فإذا حاول أي شخص تعديل الملف الأصلي ولو بتغيير بكسل واحد، تتغير البصمة وتظهر الأدلة الخرق.
2-خاصية التوثيق الزمني (Timestamping)، فكل معلومة تُسجل على السلسلة تحمل توقيتاً دقيقاً لا يمكن تغييره، مما يعطي القاضي في المحكمة الجنائية الدولية أداة لمعرفة متى تم التقاط الدليل بدقة.
3-اللامركزية، فالأدلة لا تُحفظ في خادم واحد يمكن قصفه أو مصادرته، بل تتوزع على شبكة عالمية يصعب إسكاتها.
5-الأثر الرادع المحلي، فعندما يدرك ضباط جيش الاحتلال الاسرائيلي؛أو الوزراء،والمسؤولون في حكومة الاحتلال؛ أن كل فعل من أفعالهم الاجرامية في كل فلسطين،موثق بصورة لا رجعة فيها، قد يكون لذلك تأثير رادع على السلوك الاسرائيلي العنيف للجرائم الخطيرة؛ مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الأنسانية ضد الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس المحتلة.
ثانياً: سلسلة الحيازة القانونية (Chain of Custody) – حجر الزاوية لقبول الدليل
في عالم القضاء، وخصوصاً المحاكم الجنائية الدولية مثل محكمة الجنائية الدولية، لا يكفي أن يكون الدليل موجوداً؛ بل يجب أن تثبت “سلسلة حيازته”. أي أن تثبت بالوثائق والبراهين أن الدليل (الفيديو، الصورة، الشهادة) ظل بحوزة أشخاص موثوقين منذ لحظة التقاطه وحتى عرضه على القاضي، ولم يتعرض لأي تلاعب أو تغيير في أي مرحلة.
الأدلة الرقمية التقليدية معرضة لخطر التشكيك والطعن بسهولة، لأن من السهل القول إن المقطع تم تعديله ببرامج الذكاء الاصطناعي أو برامج تحرير الفيديو؛ (هنا، تأتي أهمية تقنيات البلوك تشين لحل هذه الإشكالية المعقدة).
فعندما يتم تسجيل أي دليل على سلسلة الكتل، فإن السجل يوثق كل خطوة في حياة هذا الدليل، أي يخلق “سلسلة حيازة رقمية إلكترونية” (Digital Chain of Custody) واضحة وغير قابلة للطعن؛ الأبحاث العلمية تؤكد أن خصائص البلوك تشين مثل التوثيق الزمني، والمصادقة، والثبات، هي التي تجعلها الأداة المثلى لحماية سلامة الأدلة؛ بل ذهبت دراسة نشرتها مجلة العدالة الجنائية إلى توصيف أكثر دقة، مؤكدة أنها تحمي الأدلة من العبث وتضمن تتبعها في كافة مراحلها.
التطور الأحدث جاء من باحثين درسوا كيفية استخدام سلسلة الكتل في مقاضاة ما بعد النزاعات، حيث طوروا نموذجاً نظرياً متكاملاً لسلسلة حيازة موزعة قائمة على مفاهيم المصدر والاستمرارية وقابلية الطعن القانوني.
هذا المقال المتواضع؛يظهر أن هناك جهداً أكاديمياً عالمياً لجعل هذه التقنيات جزءاً من أصوليات العمل القانوني الدولي؛ بل إن إحدى الدراسات المتقدمة اقترحت نموذجاً يمزج بين الذكاء الاصطناعي للتمييز، وثبات البلوك تشين للتثبيت، وعلم الآثار الإجرائي لضمان قبول القطع الأثرية الرقمية في الأنظمة القضائية متعددة الولايات.
من ناحية القانون الدولي، تواجه المحكمة الجنائية الدولية تحديات كبيرة في قبول الأدلة الرقمية وتحديث ممارساتها لمواكبة التطور التقني؛ لكن الأطر القانونية القائمة تُسهل ذلك عندما تكون سلسلة الحيازة موثقة بشكل يضمن المصداقية، والدقة والسرية وفق بروتوكول المحكمة الإلكتروني (e-Court Protocol). لذلك المنظمات الحقوقية في فلسطين وتحديدا في غزة،تدرك أهمية هذا الجانب، فهي تتبع بروتوكولات دقيقة لأخذ الشهادات المشفوعة بالقسم وتوثيق مواقع الجرائم عبر نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) لتكون صالحة للاستخدام القضائي مستقبلاً؛ ودمج هذه الإجراءات مع تقنية البلوك تشين يحقق أقصى درجات الحماية.
ثالثاً: مشاريع التوثيق الفلسطينية القائمة ودور البلوك تشين في تعزيزها.
ليس الفلسطينيون بمنأى عن هذه الثورة التقنية، بل ثمة جهود مكثفة ومتنامية لتوثيق الإبادة الجماعية في غزة على أسس علمية حديثة. بعد مرور أكثر من عامين على بدء حرب الإبادة التي بدأت في السابع من اكتوبر 2023 واستمرت إلى العاشر من اكتوبر2025، تعمل مؤسسات حقوق الإنسان في قطاع غزة، على رصد وتوثيق كل مظاهر الجرائم الدولية الخطيرة المنصوص عليها في المادة 5 من نظام روما الأساسي؛ تمهيداً لتحويلها إلى مرافعات قانونية أمام المحافل الدولية. تتصدر مبادرات الجيل الجديد من الشباب الفلسطيني هذه المهمة، ويستخدمون أدوات مفتوحة المصدر لرصد انتهاكات وجرائم الاحتلال الاسرائيلي وتوثيقها رقماً.
من أقوى المبادرات مؤسسة “الذاكرة الرقمية لمقاومة المحو” (Fighting Erasure)، وهي مبادرة أطلقتها جامعة الدول العربية بالتعاون مع عدد من المؤسسات الحقوقية لتوثيق شهادات الفلسطينيين واللبنانيين المتضررين من العدوان.
إلى جانب ذلك، أطلقت وكالة الأناضول موقعاً متكاملاً لمشروع “ثلاثية غزة” (Gaza Trilogy)، وهي ثلاثية من الكتب والملفات البصرية التي توثق الأدلة على الإبادة وصور الدمار وشهادات العيان. ورغم هذه الجهود، تواجه الأدلة الرقمية الفلسطينية تهديداً وجودياً جديداً هو “الحرب الرقمية”.
فقد كشفت تحقيقات في ديسمبر 2025 أن شركات التكنولوجيا الكبرى الخاضعة لضغوطات اللوبي الصهيوني العالمي؛ شنت حملة واسعة لحذف أدلة الإبادة الجماعية التي ينشرها الفلسطينيون على جميع مواقع الإنترنت التابعة لهذه الشركات التي تربطها علاقات اقتصادية وأمنية مع اسرائيل، مدعية انتهاك الفلسطينيين او المساندون لهم سياسات المحتوى؛ هنا تكمن الأهمية القصوى (لنظام البلوك تشين اللامركزي)؛ ففي ظل هذه “الحرب الرقمية” التي تدعمها اسرائيل واللوبي الصهيوني المساند لها، تصبح الأدلة خارجة عن سيطرة أي شركة أو حكومة، مما يحمي الأرشيف الوطني الفلسطيني من الضياع والتشويه عمداً، ويضمن بقاءه رغم قصف الخوادم المركزية؛ حيث تحول البلوك تشين دون حذف الأدلة، لأن كل قطعة معلومات مسجلة على السلسلة تصبح ثابتة ولا رجعة فيها.
رابعاً: تعويض غياب المساءلة المحلية وتعزيز الرفع القضائي الفردي.
في قطاع غزة، لا توجد سلطة قضائية وطنية مستقلة قادرة على محاكمة القادة الإسرائيليين مرتكبي جرائم الحرب والإبادة؛ كذلك السلطة الفلسطينية منقسمة ومكبلة، والمحاكم في رام الله لا تملك سلطة على الاحتلال أو محاكمة جنوده أو المستوطنين الإسرائيليين في الضفة؛ هذا الواقع يجعل الاعتماد على الآليات الدولية (المحكمة الجنائية الدولية، لجان التحقيق الأممية) السبيل الوحيد تقريباً للوصول إلى العدالة.
هنا، يمكن (لتقنية البلوك تشين)، أن تحدث فارقاً في مستويين اثنين هما:
1-تبسيط الرفع الفردي للضحايا.
حالياً، الرفع إلى المحكمة الجنائية الدولية عملية معقدة وتتطلب وسطاء قانونيين؛ولكن الان يمكن لتطبيق هاتف ذكي مبني على تقنية البلوك تشين، أن يُمكّن أي فلسطيني من رفع شهادته أو أدلته مباشرة إلى قاعدة بيانات لا مركزية متصلة بقسم قبول الأدلة في المحكمة الجنائية الدولية. وقد بدأت بالفعل بعض المبادرات في تقديم نماذج أولية، حيث أُطلقت تطبيقات تتيح للأفراد تقديم شهاداتهم عبر الإنترنت وتسجيلها في قاعدة بيانات مشفرة.
بالإضافة إلى ذلك، استقبلت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة منذ سبتمبر 2025 شهادات من أفراد وعائلات متضررة مباشرة؛ تخيل لو أن كل ضحية قصف أو كل أسرة فقدت إبناً أو أبا او أي فردا من العائلة؛ يمكنها أن ترفع ملفاً مستقلاً لا يُمحى، بدلاً من انتظار التقاضي على مستوى الدولة لسنوات طويلة دون أن تتحقق على أرض الواقع.
2-تحقيق تكافؤ الفرص القضائية.
لطالما عانى الفلسطينيون من عدم التماثل في القوة أمام المؤسسات القضائية الدولية؛ لكن “تقنية البلوك تشين”، قد تخلق أرضية أكثر عدلاً، حيث تُقبل الأدلة الرقمية بمعايير ثابتة وشفافة، ويصبح تزوير الرواية أو الإنكار أكثر صعوبة. تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تحلل الأدلة وتصنفها وفق معايير قانونية أصبحت واقعاً ملموساً، وأحد المقترحات هو إنشاء نظام ذكي يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الأدلة المصورة وتصنيفها إلى فئات (قصف متعمد للمدنيين، استخدام أسلحة محظورة، استهداف منشآت طبية) ليتم إرسالها تلقائياً إلى اللجان المختصة.
أيضا هناك نقاط فرعية إضافية في هذه الفقرة تتناول ثلاث قضايا أساسية هي:
1-رفع الحرج السياسي عن الحكومات، فالقضايا الفردية المباشرة تمنع بعض الحكومات من التذرع بأن الضحايا لم يتقدموا بشكاواهم.
2-تحقيق سابقة قضائية تثبت مسؤولية الضباط الميدانيين وليس القادة فقط، حيث يمكن استخدام الصور ومقاطع الفيديو لتحديد هوية الجنود المشاركين في جرائم معينة.
3-كسر احتكار المؤسسات الكبرى للرواية، فكل ضحية يمكنها أن تحكي قصتها دون وسيط حكومي أو حقوقي.
خامساً: بناء نموذج فلسطيني للتوثيق بالبلوك تشين – تحديات وسبل التغلب عليها.
الحديث عن بناء نظام متكامل لتوثيق الإبادة في غزة باستخدام البلوك تشين ليس حلماً تقنياً، بل هو قيد الدراسة والتنفيذ بالفعل من قبل باحثين فلسطينيين. في دراسة أكاديمية حديثة، قدم باحث من جامعة شيناندواه الأمريكية بالتعاون مع زملائه في فلسطين؛ نموذجاً حاسوبياً متكاملاً يدمج البلوك تشين في إدارة الأدلة الرقمية. مع ذلك، تظل هناك تحديات كبرى ينبغي معالجتها، وفيما يلي أهمها وآليات تجاوزها وهي:
1-الوصول إلى الإنترنت والتكنولوجيا في غزة.
بالطبع غزة محاصرة من جيش الاحتلال الاسرائيلي منذ عام 2007 والى يومنا هذا تاريخ كتابة المقال منتصف عام2026، وكذلك شبكات الكهرباء والإنترنت معطلة أو خاضعة للسيطرة الإسرائيلية. لكن ربما يكمن الحل في استخدام أنظمة التخزين اللامركزي (مثل IPFS) التي تسمح باستمرار عمل النظام حتى في حالة انقطاع الاتصال، ثم مزامنة البيانات تلقائياً عند عودة الخدمة.
كما يمكن للفلسطينيين في دول الشتات، أو في الضفة الغربية، أو القدس المحتلة، المساعدة في رفع الأدلة نيابة عن ذويهم.
2-الخوف من الاستهداف الشخصي.
الأفراد الذين يوثقون الجرائم معرضون للاستهداف الاسرائيلي؛ الحل يكمن في استخدام تطبيقات التشفير، والإبلاغ المشفر بالكامل، بحيث لا يعرف أحد هوية المُبلِّغ حتى يتم رفع الدعوى رسمياً في المحكمة.
3-قابلية الأدلة للقبول في المحاكم الدولية. ليست كل الأدلة الرقمية مقبولة؛ الحل يكمن في الالتزام الصارم ببروتوكولات جمع الأدلة؛ ويمكن بناء منصة توجيهية تشرح للضحية كيفية توثيق الجريمة بالصورة والفيديو بطريقة مقبولة قضائياً، لضمان ألا تذهب جهود التوثيق سدى.
4-غياب التنسيق بين الجهات الفلسطينية.
المؤسسات الحقوقية في غزة متعددة، وتعمل بتنسيق محدود فيما بينها لصعوبة التواصل بالإنترنت؛ولاسباب اخرى. الحل في إنشاء منظومة فلسطينية موحدة لأرشفة الأدلة (Palestinian Unified Evidence Archiving System) تستخدم “تقنية البلوك تشين”، لتكون سجلاً مرجعياً موثوقاً لجميع الجهات الفلسطينية.
سادساً: استراتيجيات مقترحة لتفعيل منظومة العدالة الرقمية الفلسطينية.
بناءً على التحليل أعلاه للدكتور عبدالحكيم سليمان وادي، يمكن تقديم حزمة من الاستراتيجيات العملية التي يمكن للفلسطينيين، بمؤسساتهم ومطوريهم، تبنيها لتطوير منظومة العدالة الرقمية؛هذه المقترحات تمثل خريطة طريق قابلة للتنفيذ على النحو التالي:
1- إطلاق مشروع فلسطيني رسمي لحفظ الأدلة على البلوك تشين (Palestine Ledger for Justice)؛ يجب أن يتبنى هذا المشروع جهة وطنية موحدة (مثل وزارة العدل الفلسطينية، في تعذر ذلك؛ “اختيار ثلاث هيئات حقوقية مستقلة”،تقوم بذلك بعيدا عن الوزارة وتنسق مع جميع المختصين بهذا الأمر)؛ يهدف المشروع لبناء نظام متكامل يستقبل الأدلة من غزة والضفة ودول الشتات، ويثبتها بسلسلة كتل عالمية معروفة مثل عمل نظام بيتكوين أو إيثريوم وغيرهم من نفس نوع البرامج.
2- الاستثمار في تدريب الكوادر الفلسطينية.
يجب إطلاق معسكرات تدريبية للمحامين والحقوقيين والمطورين الفلسطينيين لتعريفهم بأسس (التوثيق بالبلوك تشين والأدلة الرقمية المقبولة قضائياً)؛ الاستثمار في العقول الفلسطينية الشابة لبناء هذه المنصات محلياً، دون الاعتماد على شركات أجنبية قد تخضع لضغوط سياسية، هو ضمان للاستدامة والأمن.
3-بناء شراكات تقنية دولية مع مشاريع مفتوحة المصدر; مثل التعاون مع مؤسسات مثل “ستارلينغ لاب” و”فايل كوين” للاستفادة من منصاتهم المفتوحة المصدر؛وتكييفها للسياق الفلسطيني؛ هذه الشراكات تضمن الانتقال السريع دون إعادة اختراع العجلة.
4- تطوير تطبيق هاتفي ذكي باسم العدالة الفلسطينية، أي(JusticePal) متعدد اللغات (العربية، الإنجليزية، الفرنسية الإسبانية ) موجه من الضحايا لهذة الجهات الحقوقية مباشرة أو العكس تماماً تواصل هذه الجهات مع الضحايا مباشرة؛ يتيح التطبيق التقاط فيديو أو صورة، مع توثيق آلي للموقع الجغرافي والتوقيت، ثم تشفيرها ورفعها مباشرة إلى قاعدة البيانات اللامركزية. هذه الآلية الفردية المباشرة هي أقصر الطرق نحو العدالة.
5-تقديم طلبات رسمية للمحكمة الجنائية الدولية لقبول الأدلة الرقمية المحفوظة بالبلوك تشين؛ يمكن للمكتب القانوني لدولة فلسطين في لاهاي إذا أراد التعاون لنصرة شعبة الفلسطيني؛ تقديم مذكرة رسمية تعرض إمكانيات هذه التقنية وتطلب تعديل قواعد الإجراءات لتسهيل قبولها من غزة والضفة والقدس. هذا الإجراء لا يعتمد على الانتظار بل على خلق واقع قانوني جديد.
ختاما، رغم أن الصور ترحل وتندثر مع كل غارة إسرائيلية جديدة، وتُحذف الأدلة من خوادم الشركات خوفاً من الضغوط، وتُدفن الشهادات تحت الأنقاض التي لا تنكشف، تظل (تقنية البلوك تشين)، قبساً من الأمل في زمن أسود حزين؛ هذه التقنية توفر للفلسطينيين سلاحاً يضاهي قوة الصواريخ والدبابات الاسرائيلية التي تنفذ الابادة في غزة، البلوك تشين هو سلاح السردية الفلسطينية التي لا تموت والدليل الذي لا يُشطب في عالم الإنترنت وفي التاريخ والجغرافيا الفلسطينية.
اخيراً، يمكن القول ان الانتقال من مرحلة التوثيق التقليدي القابل للاختراق والتغييب، إلى مرحلة التوثيق بالبلوك تشين يمثل تحولاً نوعياً حقيقياً في المعركة القانونية الفلسطينية وفي مقدمتها السردية التي تفضح جرائم الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين؛ فبينما تستمر إسرائيل في حربها الإعلامية لحذف الأدلة على جرائمها الخطيرة في فلسطين وقطاع غزة، يظل سجل الكتل صامداً، مذكراً العالم بأن العدالة وإن تأخرت آتية، وإن تغيرت الوقائع ستبقى الحقيقة الرقمية ثابتة لا تتزعزع؛ فالقضية الفلسطينية، في نهاية المطاف، ليست مجرد قضية أرض، بل هي قضية سياسية حقيقة وتاريخ وذاكرة سوف تنتهي بانتهاء الاحتلال الاسرائيلي وبإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، والتأكيد من جديد أن تقنيات البلوك تشين اليوم تمنح المواطن الفلسطيني العادي؛أداة ليكون هو من يكتب تلك الذاكرة والسردية الفلسطينية،بعيداً عن وصاية الاحتلال أو الوسطاء المخادعون.
-المراجع:
– المحكمة الجنائية الدولية، ملف حالة فلسطين، 2026: معلومات الضحايا ونطاق التحقيق، متاح باللغات الإنجليزية والعربية والعبرية.
– ورقة عمل “نحو إطار آمن وقابل للتطوير لحفظ الأدلة الرقمية: نموذج قائم على البلوك تشين” (Toward Secure and Scalable Digital Evidence Preservation: A Blockchain-Driven Framework)، مجلة بلوك تشين (MDPI)، 4 حزيران 2026.
-شبكة الأناضول: إطلاق موقع “ثلاثية غزة” لتوثيق جرائم الحرب الإسرائيلية، 6 حزيران 2026.
-سلسلة دراسات: “كيف يتم توثيق أعمال الإبادة في غزة والضفة قانونياً وحقوقياً؟”، الجزيرة نت، 10 تشرين الأول 2025.
-مشروع “ذاكرة غزة الرقمية لمقاومة المحو” (Fighting Erasure)، مختبر الأرشيف والوسائط الرقمية (Archives & Digital Media Lab)، أرشيف أكاديميا 2025.
-مؤسسة فايل كوين (Filecoin Foundation) ومؤسسة جي إس آر (GSR Foundation): تمويل مشاريع الحفظ اللامركزي لأدلة جرائم الحرب، 2026.
– دراسة حالة حول إدارة الأدلة وسلسلة الحجز بالبلوك تشين في المحاكم الجنائية الدولية (Multiparty Trust Levels in Evidence Management)، المستودع الأكاديمي الأوروبي Cristin.
-نشرة “محكمة غزة” للأناضول، أيار 2025.
-تقرير “الحذف الصامت: الحرب الرقمية على الأدلة الفلسطينية” (The Silent Deletion: Inside the Digital War on Palestinian Evidence)، شبكة الميزان الإعلامية، 10 كانون الأول 2025.
– استعراض الدراسات حول الجوانب التقنية لإدارة الأدلة الرقمية، مجلة JATIT، 2025.https://ibb.co/dwd945jZ

