لم تكن العناوين العريضة التي تصدرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” في الرابع عشر من يونيو/حزيران مجرد تعبير عن رفض سياسي عابر، بل كانت تجسيداً لحالة من الصدمة الوطنية في إسرائيل إزاء معالم الاتفاق الذي بدأ يتبلور بين واشنطن وطهران. فاستخدام وصف “صفقة سيئة” في تلك اللحظة الحرجة، وقبل أن تكتمل تفاصيل الاتفاق أو تُكشف بنوده بشكل نهائي، يعكس قناعة إسرائيلية راسخة بأن الإدارة الأمريكية قد شرعت في تقديم تنازلات جوهرية وملموسة من جانب واحد، بينما اكتفت إيران بتقديم وعودٍ أُحيطت بالغموض، مما أثار مخاوف أمنية وجودية في أروقة صنع القرار بتل أبيب.

ويعود هذا الغضب الإسرائيلي إلى شعور عميق بأن واشنطن، في سعيها الحثيث لإبرام تسوية تنهي التوتر وتضمن استقرار الطاقة، قد غضت الطرف عن الحسابات الأمنية المعقدة لإسرائيل. فمن وجهة النظر الإسرائيلية، يمثل هذا التوجه الأمريكي تراجعاً استراتيجياً عن سياسة “الضغط الأقصى”، ليحل محلها نهج براغماتي لا يضمن كبح الطموحات النووية الإيرانية أو تقليم أظافر النفوذ الإيراني في المنطقة. هذا الانفصام في الرؤية جعل التوقيع على الاتفاق يبدو في أعين الإسرائيليين أشبه بـ “نعي” للترتيبات الأمنية التي استثمرت فيها إسرائيل طويلاً، مما دفعها لاتخاذ مواقف تصعيدية استباقية لمحاولة تعديل مسار المفاوضات أو الضغط على واشنطن لإعادة النظر في طبيعة الالتزامات المقدمة.

في المقابل، ترى الإدارة الأمريكية في هذه “الصفقة” ضرورة ملحة لانتشال المنطقة من حافة حرب شاملة، وتأمين تدفقات الطاقة العالمية التي أصبحت تمثل شريان الحياة للاقتصاد الدولي المضطرب. إلا أن هذه النظرة التكنوقراطية والأمنية من واشنطن تصطدم بجدار من عدم الثقة الإسرائيلي، الذي يرى أن أي تفاهم مع طهران لا يتضمن ضمانات صارمة وقابلة للتحقق لن يؤدي إلا إلى منح إيران “فترة التقاط أنفاس” لإعادة تنظيم أوراقها الإقليمية. ومع احتدام السجال بين الحليفين، بات التوتر الذي أحدثه هذا الاتفاق يشكل تحدياً لا يقل خطورة عن الصراع المباشر نفسه، مما يضع مستقبل التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب على المحك في ظل هذا التباين الحاد في تقدير المخاطر والمصالح الوطنية.