تحظى التظاهرات الكروية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم، بمكانة تفوق مجرد كونها حدثاً رياضياً عابراً؛ إنها مسرح تذوب فيه الانتماءات الضيقة لتتشكل خلفه هوية وطنية موحدة، تختزلها ألوان علم البلاد. وفي المسيرة المونديالية للمنتخب السعودي، طالما كان الدعم الشعبي هو الوقود الأول لملامح التاريخ التي سُطرت في الملاعب العالمية.
ومع ذلك، يجد المنتخب السعودي نفسه اليوم في مفترق طرق حرج، ليس بسبب تحدٍّ تكتيكي أو بدني على أرض الملعب، بل نتيجة تحدٍّ فكري واجتماعي خطير، يضعه بين مطرقة وسندان؛ مطرقة طموح دولة قدّمت الغالي والنفيس لرفع كفاءة الرياضة، وسندان تعصب لوني أعمى يقدم مصلحة النادي على اعتبارات الوطن.
لقد صنعت الدولة -أيدها الله- فارقاً تاريخياً حين أسست ودعمت وطوّرت، وفتحت الأبواب أمام الاحتراف الحقيقي المشرف، وضخت استثمارات هائلة تهدف إلى جعل الرياضة السعودية واجهة حضارية مشرفة تعكس القوة الناعمة للمملكة أمام العالم. ولكن، في مقابل هذا البناء الشاهق، يبرز سلوك بعض الإعلاميين والمتعصبين والمؤثرين في منصات التواصل الاجتماعي الذين يمارسون دوراً معاكساً تماماً؛ دوراً يهدم ولا يبني، ويزرع الانقسام ويغذي التعصب، محولاً مشاركات “الأخضر” المونديالية من عرس وطني جامع إلى ساحة صراع ضيق وتصفية حسابات متبادلة.
من المؤسف أن نرى المشهد الجماهيري ينقسم في التظاهرة الأهم عالمياً إلى جبهات وتيارات تحكمها ألوان الأندية. فهناك من يترصد للمباراة لا ليقيس أداء المنظومة، بل ليحصي تمريرات لاعب الهلال للإشادة به أو النيل منه، والآخر يقف متأهباً للإشادة الحصرية بنجم النصر، وثالث ورابع يختزلون بريق المنتخب في حضور لاعبي الاتحاد أو الأهلي.
هذه الشيزوفرينيا التشجيعية والمراهقة الفكرية تُقحم الميول في كل تفصيل؛ فتقزم لاعباً، وتشيّطن آخراً، وتضخم ثالثاً، بناءً على قميصه المحلي، متناسين أن اللاعب على أرض المونديال لا يمثل شعار ناديه، بل يحمل أحلام وثقافة وثقل دولة بأكملها اسمها المملكة العربية السعودية.
هذا السلوك لم يعد مجرد “وجهة نظر” أو رأي عابر، بل أصبح شرخاً حقيقيّاً يتسلل إلى جسد الرياضة الوطنية، وينتج عنه بيئة مشحونة تضغط على اللاعبين بدلاً من دعمهم. فعندما يُخطئ لاعب في لقطة تكتيكية، لا يُحاسب بصفته لاعباً في المنتخب أخطأ كبشر، بل يُرشق فوراً بعبارات التهكم والتشويه لأنه ينتمي للنادي المنافس محلياً، وفي المقابل يُضخم أي إنجاز فردي بسيط لغرض المكايدة الجماهيرية.
إن غياب الشغف الموحد يفرغ المشاركة المونديالية من قيمتها الوطنية السامية، ويجعل الخاسر الأكبر في هذه المعادلة الصفرية هو المنتخب السعودي دائماً، وليس اللاعب المستهدف، ولا الإعلامي الباحث عن بريق الضوء الشحيح على حساب المصلحة العامة.
مع مشاركات المملكة في المحافل العالمية، كان من المفترض والبديهي أن تتوحد الأصوات خلف راية التوحيد، وأن يكون الإعلام شريكاً حقيقياً في صناعة النجاح وتهيئة الأجواء المريحة للمنتخب. لكن الواقع كشف أن بعض المنابر والمؤثرين ما زالت أسيرة لتعصبها اللوني؛ تبحث عن لاعب معين لتلميعه، أو آخر لتقزيمه وتشويهه، وكأن المنتخب بات منصة لرفع أسهم شخصية أو لتصفية تركات قديمة من الصراعات المحلية.
هذا السلوك لا يمكن تصنيفه تحت بند “النقد المهني” بأي حال من الأحوال، بل هو خطاب مشبوه يضر ولا ينفع، ويحول رمزية المنتخب الوطنية الجامعة إلى مساحة للتناحر والشتات، في وقت يتابعنا فيه العالم كمنظومة سعودية واحدة، لا يعرف تصنيفات دورينا ولا صراعاتنا المحلية.
من هنا، تأتي الحاجة الملحة والضرورية لتدخل الجهات الرقابية المعنية، لتكون هي المرجعية الحازمة التي تضبط الخطاب الإعلامي الرياضي، وتضع حداً قاطعاً لمن يحاول إشعال الفتنة، أو تأجيج التعصب، أو إحداث أي شرخ في الصف الوطني. فالتمثيل باسم الوطن ليس مساحة مفتوحة للتهجم أو التحريض، ولا ساحة لمن يمكن وصفهم بـ “حملة الحطب”الذين لا يزيدون النار إلا اشتعالاً، ولا يقتاتون إلا على الأزمات.
إن المنتخب السعودي يستحق خطاباً وطنياً مسؤولاً، وإعلاماً نزيهاً يواكب القفزات الاستثنائية للدولة، وجماهير واعية تدرك حجم المسؤولية. يجب أن يفهم المدرج الرياضي أن قوة المنتخب في تلاحمه، وأن الانتماء للأندية شغف مشروع محلياً، لكن حين يعزف السلام الملكي في المحفل العالمي، تسقط كل الألوان وتذوب الشارات، ولا يبقى إلا الشعار الأغلى.. “سيفين ونخلة” على صدور الجميع.

خاتمة:
إن التاريخ سيكتب اسم السعودية ولن يلتفت لألوان الأندية، فحين يتقدم المنتخب يتقدم الوطن، وحين يتراجع يتراجع الجميع، ولا مكان في هذا المشهد الاستثنائي لمن يقدّم ميوله الضيقة على مصلحة السعودية العظمى.