تُعدّ منظومة التعليم العالي في الأردن من أبرز القطاعات الوطنية التي نجحت في ترسيخ حضورها الإقليمي والدولي، مستندة إلى سياسة طويلة الأمد ركّزت على الاستثمار في الإنسان وتطوير البنية المعرفية. وقد أسهم هذا النهج في تعزيز مكانة الأردن كمركز أكاديمي إقليمي يستقطب الطلبة من مختلف الدول العربية، ويعتمد على جامعات ذات حضور بحثي وتعليمي متنامٍ.

وفي هذا السياق، تبرز الجامعة الأردنية بوصفها المؤسسة الأكاديمية الأقدم والأكثر رسوخاً في المملكة، حيث واصلت تطورها المؤسسي والعلمي لتبقى في صدارة المشهد الأكاديمي الوطني. ووفق تصنيف QS World University Rankings لعام 2026، جاءت الجامعة ضمن الفئة 324–326 عالمياً، محافظةً على موقعها كأفضل جامعة أردنية في التصنيفات الدولية.

تعود نشأة الجامعة الأردنية إلى عام 1962 بقرار ملكي شكّل نقطة تحول في مسار التعليم العالي في الأردن. وقد ارتبط تأسيسها برؤية الدولة الحديثة التي قادها الملك الحسين بن طلال، الذي تبنّى فكرة الجامعة باعتبارها مشروعاً وطنياً استراتيجياً. وفي المرحلة التأسيسية، لعب دولة وصفي التل دوراً محورياً في تحويل الرؤية إلى إطار مؤسسي وتنظيمي من خلال اختيار موقع الجامعة ووضع أسس إدارتها المبكرة بما يضمن استقلاليتها وتماسك بنيتها. كما أسهمت الجهود الأكاديمية في تلك المرحلة، وفي مقدمتها دور الدكتور ناصر الدين الأسد، في ترسيخ الهوية العلمية للجامعة ووضع اللبنات الأولى لبنيتها الأكاديمية.

وشهدت الجامعة عبر العقود المتعاقبة تطوراً تراكمياً في بنيتها الأكاديمية والإدارية، حيث أسهم تعاقب إداراتها في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتوسيع البرامج الأكاديمية وتطوير البنية التحتية. وفي هذا السياق برز دور عدد من القيادات الأكاديمية والإدارية، ومن بينهم الدكتور عبدالسلام المجالي، في دعم توسع الجامعة وتعزيز حضورها الوطني ودورها في منظومة التعليم العالي الأردنية.

وفي المرحلة الحالية، يقود الدكتور نذير عبيدات الجامعة الأردنية برؤية تركز على تحديث البرامج الأكاديمية، وتعزيز البحث العلمي، وتسريع التحول الرقمي، وتوسيع الشراكات الدولية، بما يواكب متطلبات التعليم العالي المعاصر.

ولا يقتصر تميز الجامعة الأردنية على بنيتها المؤسسية فقط، بل يمتد إلى رأس مالها البشري من أعضاء هيئة تدريس وإداريين، الذين يتمتعون بسمعة أكاديمية وبحثية مرموقة على المستويين الإقليمي والدولي، ويسهمون في الإنتاج العلمي والنشر في مجلات عالمية مرموقة، إضافة إلى مشاركاتهم في المؤتمرات والهيئات العلمية الدولية. كما ينعكس هذا التميز على خريجي الجامعة الذين يشغلون مواقع متقدمة في مختلف القطاعات والتخصصات داخل الأردن وخارجه، ويشكلون حضوراً فاعلاً في أسواق العمل الإقليمية والدولية، بما يعزز السمعة الأكاديمية للجامعة على نطاق واسع.

ويعتمد تصنيف QS العالمي على مجموعة من المؤشرات تشمل السمعة الأكاديمية، وسمعة الخريجين لدى جهات التوظيف، ونسبة الاستشهادات البحثية، وحجم الإنتاج العلمي، والانفتاح الدولي. وقد حققت الجامعة الأردنية تحسناً تدريجياً في عدد من هذه المؤشرات، خصوصاً في البحث العلمي والتعاون الدولي.

ويُعزى هذا التقدم إلى تراكم عوامل مؤسسية تشمل تطور الإنتاج البحثي، وتوسع الشراكات الأكاديمية، وتحسين جودة البرامج التعليمية، وتطوير أنظمة الاعتماد والجودة.

ومع ذلك، تواجه الجامعة تحديات مرتبطة بالتمويل البحثي، وضغط الأعداد الطلابية على البنية التحتية، وتسارع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، ما يتطلب تحديثاً مستمراً للبرامج الأكاديمية وتعزيز التكامل مع سوق العمل.

ورغم هذه التحديات، تواصل الجامعة الأردنية الحفاظ على موقعها المتقدم ضمن التصنيفات العالمية، مستندة إلى إرثها المؤسسي وتراكم خبراتها، وماضية في مسار تطويري يهدف إلى تعزيز حضورها الأكاديمي دولياً خلال السنوات المقبلة.

وفي ختام هذا السياق، يبرز البعد القيمي الذي يشكل أساس العمل والعطاء، انسجاماً مع الهدي النبوي الشريف، حيث قال رسول الله ﷺ:

“إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه.”.