ما رأيك في أن ننعتق من الداجيات التي يُفتقد فيها البدر، ونمرح في مروج نوادر التراث؟ يُروى أن أحد الخلفاء جيء إليه برجل فريد دهره. يرمي الإبرة كالسهم، فتشكّ الجدار، ثم يرمي الثانية، فتستقرّ في سَمِّ الخياط الأوّل، ثم الثالثة فإذا هي في عين الثانية، وهكذا الرابعة حتى العاشرة. فأمر له الملك بألف دينار ومئة جلدة. الدنانير لأنه أتى بالإبداع العجيب، والجَلد، لأنه أهدر طاقات ثمينةً، لبلوغ مهارات لا نفع من ورائها.

بعد ذلك بقرون، قال أينشتاين عن أبطال الشطرنج: «إنهم يملكون أدمغةً جبّارةً، يهدرونها على رقعة شطرنج». هو نفسه كان لاعباً كبيراً، لعب مع صديقه بطل العالم إيمانويل لاسكر. إنّما هو في الفيزياء، أتى بما لم يستطعه الأوائل.

قلت للقلم: صرت تخبط خبط عشواء، فالمسألة التي ادّعيت أنك ستطرحها، هي أنك ظللت عقوداً تتمنى أن ترى الشعوب العربية تجود عيونها دماً، وترتدي السواد، وتقيم الحداد، حين تُمنى اقتصاداتها بالانخساف، حين يَقطع دروبها إلى اللحاق بالعصر، قزم مثل محو الأمية، حين تكون لديها جيوش جرّارة من المربين والمدرّسين، من الابتدائيات إلى الجامعات، لكن يخونها تطوير التعليم، فتظل التربية بلا تربية.

لم نرَ عربياً ذرف الدموع لأن دنيا العرب بطولِها وعرضِها، لا تملك مجلةً علميةً، حتى ولو قلّ شأنها. لم نرَ عربياً ينتف شعره أو يركل شاشة التلفزيون أو ينطح الجدار، لأن بلده، له في كل محافظة ثروات سطحية وجوفية، ولكنه ينتظر من بنك النصب الدولي أن يجود عليه بحفنة ملايين من الدولارات، التي لا يسندها ذهب ولا حتى برادة حديد. لم نرَ عربياً يلطم رأسه وينتحب لأنه يشعر بأن هزيمة بلده في ميدان كالزراعة، هي هزيمته هو شخصياً، بينما العصر الزراعي بدأ قبل أكثر من عشرة آلاف عام، لكنه عندما يتلقى حصيلةً نكراء في الملعب، يحسّ بأنه أصيب في مقتل. عجباً لأمّة العجائب، الرياضيات والفيزياء هي المفتاح الذهبي لمدينة العصر، ومع ذلك فالهزائم فيها، لا تساوي قطرةً من بحر فاجعة الهزيمة في المستديرة.

لزوم ما يلزم: النتيجة التنبيهية: قلت للقلم، متى ستتعلّم، فخلْط المواضيع لا يجوز في العمود الواحد؟ قال: إني أعلم ما لا تعلم.