يشهد سوق العقارات المصري تحولات هيكلية غير مسبوقة مع توسع تطبيق قانون التصالح في مخالفات البناء، في خطوة تجاوزت فكرة تقنين الأوضاع المخالفة أو تحصيل الرسوم الحكومية، لتصبح أحد أكبر برامج دمج الثروة العقارية غير الرسمية داخل الاقتصاد المنظم.

وتستهدف الدولة إعادة توظيف ملايين الوحدات السكنية والتجارية والإدارية باعتبارها أصولاً اقتصادية منتجة، عبر إدراجها داخل منظومة رقمية موحدة تمنح كل عقار رقمًا قوميًا، بما يسمح بزيادة فرص التمويل العقاري، وتعزيز الشمول المالي، ورفع القيمة السوقية للأصول التي ظلت لسنوات طويلة تتداول بخصومات سعرية نتيجة المخاطر القانونية المرتبطة بها.

وتواجه الحكومة إرثًا عمرانيًا ممتدًا لعقود من البناء العشوائي، تسبب في خروج ملايين الوحدات من دائرة التداول البنكي والتمويل العقاري، وحرم الاقتصاد من كتلة رأسمالية ضخمة كانت تباع بأسعار تقل عن نظيراتها القانونية بنسب تراوحت بين 35 و40%.

ومع مد العمل بالقانون رقم 187 لسنة 2023 حتى مايو 2028، لاستيعاب أكثر من ثلاثة ملايين طلب تصالح، تتسارع الخطوات الحكومية لاستكمال حصر الثروة العقارية وربطها بقاعدة بيانات رقمية متكاملة، تمهد لتحويل العقارات إلى أدوات ائتمانية قابلة للرهن والاستثمار.

ارتفاعات سعرية بعد إزالة المخاطر القانونية.

يرى خبراء التخطيط العمراني والتقييم العقاري أن التصالح أسهم بصورة مباشرة في رفع القيمة السوقية للعقارات المخالفة، بعدما أزال المخاطر المرتبطة باحتمالات الإزالة أو صعوبة استخراج التراخيص والحصول على الخدمات الأساسية.

وأوضحوا أن العقارات غير المقننة كانت تخضع لخصومات سعرية كبيرة مقارنة بالعقارات المرخصة، وهو ما تغير تدريجيًا عقب استكمال إجراءات التصالح، حيث سجلت بعض المناطق زيادات في الأسعار تجاوزت 35%، بينما وصلت في مناطق أخرى إلى أكثر من 40%.

وأكد المتخصصون أن العقار المتصالح عليه لم يعد مجرد وحدة سكنية أو تجارية، بل تحول إلى أصل قانوني معترف به يمكن بيعه أو رهنه أو إدراجه ضمن منظومة التمويل العقاري، ما يعزز فرص الاستفادة الاقتصادية منه.

ورغم هذه المكاسب، لا تزال الاستفادة الكاملة من الملف مرهونة بسرعة إنهاء الإجراءات، واستكمال منظومة التسجيل العقاري، وربط الوحدات بالمنصات الرقمية الجديدة.

الرقم القومي للعقار.. بوابة الرقمنة العقارية.

تمثل منظومة الرقم القومي للعقار إحدى أهم الأدوات التي تعول عليها الدولة في المرحلة المقبلة لإدارة الثروة العقارية المصرية بكفاءة أكبر.

وتهدف المنظومة إلى منح كل وحدة عقارية رقمًا تعريفيًا موحدًا، سواء كانت سكنية أو تجارية أو إدارية، بما يسمح بحصر الأصول بدقة، وتسهيل عمليات البيع والشراء، وتحسين كفاءة الخدمات الحكومية المرتبطة بالعقار.

ويرى مطورون عقاريون أن هذه الخطوة تمهد لإنشاء قاعدة بيانات عقارية متكاملة تعتمد على أعمال الحصر الجوي والخرائط العمرانية الحديثة، بما يسهم في تعزيز الشفافية داخل السوق، وتقليل النزاعات المتعلقة بالملكية أو التراخيص.

كما تؤسس المنظومة لمرحلة جديدة من التحول الرقمي، تجعل العقار المصري أكثر جاذبية للمستثمرين المحليين والأجانب، وتوفر معلومات دقيقة حول حجم المعروض العقاري وقيمته السوقية.

التمويل العقاري ينتظر اكتمال التسجيل.

على الرغم من أن التصالح أتاح إدخال أعداد كبيرة من العقارات داخل المنظومة الرسمية، فإن انعكاس ذلك على نشاط التمويل العقاري لا يزال محدودًا.

ويشير العاملون بالقطاع إلى أن ما بين 95 و97% من عمليات التمويل العقاري الحالية تتركز داخل المدن الجديدة التي تتمتع بمعدلات منخفضة من المخالفات، في حين تحتاج المناطق القديمة إلى استكمال إجراءات التسجيل والتوثيق حتى تصبح مؤهلة للاستفادة من برامج التمويل.

وأكد خبراء التمويل العقاري أن العقار المقنن يمكن التعامل عليه بنفس كفاءة العقار المرخص، شريطة التأكد من سلامته الإنشائية واستيفائه الاشتراطات الفنية المطلوبة.

ويرون أن دمج العقارات المتصالح عليها داخل المنظومة التمويلية سيسهم في توسيع قاعدة العملاء، وزيادة حجم التمويلات الممنوحة للأفراد والشركات، وهو ما يدعم النشاط الاقتصادي ويرفع كفاءة السوق العقارية.

تحديات التنفيذ واستمرار الطلب على العقارات الأرخص.

ورغم التقدم المحقق في ملف التصالح، لا تزال هناك تحديات مرتبطة بطول الإجراءات، والحصول على الموافقات من جهات الولاية المختلفة، بالإضافة إلى ضرورة تشديد الرقابة لمنع ظهور مخالفات جديدة.

وفي المقابل، أدى ارتفاع أسعار العقارات المتصالح عليها إلى اتساع الفجوة السعرية بينها وبين الوحدات غير المقننة، خاصة في المناطق الشعبية ومتوسطة الدخل.

ويؤكد مسوقون عقاريون أن العقارات غير المقننة لا تزال تجذب شريحة من المشترين، خصوصًا محدودي ومتوسطي الدخل، بسبب انخفاض أسعارها بنسبة تتراوح بين 30 و40% مقارنة بالعقارات المقننة.

ويضع كثير من المشترين أنفسهم أمام معادلة صعبة؛ تتمثل في الاختيار بين وحدة أقل مساحة لكنها مستقرة قانونيًا، أو وحدة أكبر وأرخص سعرًا مع تحمل مخاطر تتعلق بالموقف القانوني للعقار.

ويؤكد خبراء أن نجاح منظومة التصالح لن يقاس فقط بعدد الطلبات المقبولة أو حجم الرسوم المحصلة، وإنما بقدرة الدولة على تحويل هذه الثروة العقارية الضخمة إلى أصول اقتصادية منتجة، تدعم التمويل العقاري، وتزيد مساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي، وتدفع السوق نحو مزيد من التنظيم والاستدامة.