مدار الساعة – قال أستاذ سياسة وتاريخ الشرق الأوسط المعاصر، محجوب الزويري، إن النفوذ الإيراني في المنطقة يشهد مرحلة تآكل متسارع على مستويات متعددة، معتبراً أن ما تواجهه طهران في اليوم التالي للحرب لا يقتصر على خسائر عسكرية أو تراجع في شبكة الحلفاء، بل يعكس انتقالاً أعمق من مرحلة “النفوذ الرخيص” سياسياً ورمزياً إلى مرحلة النفوذ المكلف أمنياً واقتصادياً وداخلياً.
وجاء ذلك في مقال للزويري بعنوان “إيران وتراكم الخسائر: الجمهورية الإسلامية في اليوم التالي للحرب”، ينشر ضمن العدد الجديد من مجلة السياسة والمجتمع الصادرة عن معهد السياسة والمجتمع.
ويرى الزويري أن إيران، التي استطاعت لعقود تحويل خطاب المقاومة والمظلومية إلى رأسمال سياسي ورمزي واسع في الإقليم، تجد نفسها اليوم أمام معادلة مختلفة تماماً، تقوم على شبكة نفوذ تتطلب موارد أعلى، وشرعية رمزية أضعف، وبيئة إقليمية أكثر استعداداً لمساءلة كلفة الدور الإيراني.
وأشار إلى أن طهران استفادت قبل عام 2011 مما يسميه “نعمة النموذج”، حين قدمت نفسها بوصفها قوة تواجه الاستكبار وتدافع عن المظلومين، في مقابل أنظمة عربية بدت بعيدة عن خطاب المقاومة. واعتبر أن هذه المعادلة منحت إيران حضوراً واسعاً بأدوات منخفضة الكلفة، عبر الإعلام، والمنظمات الثقافية، والحضور الديني، والقوة الناعمة.
غير أن الربيع العربي، بحسب الزويري، كسر هذه المعادلة من الداخل، حين ظهرت قوى شعبية عربية تتبنى خطاب الدفاع عن المظلومين ومواجهة الطغيان بعيداً عن النموذج الإيراني. ويرى أن موقف طهران من الثورة السورية، ووقوفها إلى جانب نظام بشار الأسد، شكّل نقطة تحول جوهرية أفقدتها جزءاً كبيراً من رصيدها الرمزي لدى الرأي العام العربي، ونقل نفوذها من حقل الشرعية إلى حقل القوة الصلبة.
ويؤكد الزويري أن خسارة سوريا لم تكن بالنسبة لإيران خسارة حليف سياسي فحسب، بل خسارة للبنية التحتية الجغرافية لمشروعها الإقليمي. فسوريا، وفق المقال، كانت الحلقة المركزية في الاتصال اللوجستي والاستراتيجي بين طهران ولبنان والبحر المتوسط، ومن خلالها حافظ ما يعرف بـ”محور المقاومة” على تماسكه الجغرافي والسياسي.
ولفت إلى أن سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 مثّل اختراقاً عميقاً في البنية الإقليمية التي بنتها إيران خلال عقود، مشيراً إلى أن طهران أنفقت، وفق تقديرات أوردها المقال، ما يزيد على ثلاثين مليار دولار في سوريا خلال سنوات الحرب، فضلاً عن الكلفة البشرية والسياسية والعسكرية التي تحملتها دفاعاً عن نفوذها هناك.
ويرى الزويري أن خسارة دمشق جعلت النفوذ الإيراني في المشرق العربي محاصراً جغرافياً للمرة الأولى منذ عقود، وأضعفت العمق الاستراتيجي لحزب الله، وحوّلت العراق إلى ساحة ضغط وتعويض بدلاً من أن يكون حلقة ضمن مجال إقليمي متصل.
كما يجادل المقال بأن شبكة الحلفاء التي منحت إيران لعقود قدرة على الردع غير المباشر تحولت جزئياً إلى عبء سياسي وأمني. فحزب الله خرج من المواجهات مثقلاً بخسائر قيادية وتنظيمية، فيما تواجه الميليشيات العراقية ضغوطاً داخلية وخارجية متزايدة، بينما يضع دور الحوثيين في البحر الأحمر طهران أمام معادلة أكثر تعقيداً بين القدرة على الإرباك وكلفة العزل الدولي.
ويشير الزويري إلى أن إيران، بعد تراجع جزء من أدوات نفوذها الهجومي، انتقلت إلى منطق دفاعي يقوم على توسيع كلفة الضغط عليها. فبدلاً من تقديم صورة القوة المنتصرة، باتت تقدم صورة الدولة التي يصعب كسرها من دون إلحاق ضرر واسع بالنظام الإقليمي والاقتصاد العالمي، لا سيما عبر قدرتها على تهديد الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.
ويعتبر أن مفهوم الصمود الإيراني لا يعني بالضرورة القدرة على الانتصار، بل القدرة على جعل الهزيمة مكلفة لخصومها وللمنطقة والعالم. غير أن هذا الصمود، بحسب المقال، لا يلغي سؤال الكلفة التاريخية التي تدفعها إيران، ولا يمنع ظهور لحظة تضطر فيها إلى إعادة تعريف علاقتها بالقوة والسيادة والتسوية.
ويطرح الزويري في مقاله سؤالاً تاريخياً حساساً: هل تواجه إيران “تركمنجاي” جديدة؟ مستحضراً معاهدة تركمنجاي عام 1828، التي شكلت واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في الذاكرة الإيرانية، حين تنازلت الدولة القاجارية عن أراض واسعة في القوقاز تحت ثقل الهزيمة أمام روسيا القيصرية.
غير أن المقال يميز بين الخسارة الجغرافية النهائية في تركمنجاي، وبين احتمال التنازل الوظيفي أو التجميد الجوهري للبرنامج النووي الإيراني، معتبراً أن المقارنة لا تقوم على نوع الخسارة فقط، بل على معادلة أعمق عنوانها: البقاء في مواجهة الكبرياء.
ويخلص الزويري إلى أن إيران تقف أمام مفترق شبيه، من حيث الدلالة السياسية لا من حيث التفاصيل، بما واجهته الدولة القاجارية بعد تركمنجاي: نظام بقي، لكن العالم من حوله تغيّر. ويرى أن الجمهورية الإسلامية تمتلك مؤسسات أكثر رسوخاً وعمقاً تكنولوجياً ووعياً تاريخياً، لكنها تحمل في الوقت ذاته نزاعاً بنيوياً بين حاجة الإصلاح وحسابات الاستمرار.
ويؤكد المقال أن السؤال الأهم في اليوم التالي للحرب لن يكون فقط ما إذا كانت إيران قادرة على البقاء، بل ما إذا كانت قادرة على الجمع بين تماسك النظام وإصلاحه، وإعادة بناء اقتصادها من دون فتح أبواب يعتبرها النظام تهديداً لهويته.
ويختم الزويري بأن إيران أمام احتمالين: إما أن تعيد تعريف نفسها بجرأة دولة تعلّمت من التاريخ، أو أن تكتفي بإدارة الأزمة والبقاء فوق خط الإفلاس السياسي والاقتصادي. وبين هذين الاحتمالين، كما يقول، يكمن الفارق بين إيران تصنع مستقبلها، وإيران تكتفي بتأجيل انهيارها.
ويُعدّ محجوب الزويري أستاذاً في سياسة وتاريخ الشرق الأوسط المعاصر، وأستاذاً زائراً في معهد الدوحة للدراسات العليا، ومحرراً علمياً في الموسوعة العربية بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ومؤسساً ورئيس تحرير مجلة دراسات الخليج، وتركز أبحاثه على إيران والشرق الأوسط ومستقبل العلوم الاجتماعية والإنسانية في التعليم العالي.
ويُذكر أن مجلة السياسة والمجتمع الأردنية تصدر عن معهد السياسة والمجتمع، وتُعنى بتقديم قراءات تحليلية معمّقة في قضايا السياسة الإقليمية والدولية، من خلال مساهمات لخبراء وباحثين وصنّاع رأي من المنطقة والعالم. ويخصص عددها الجديد ملفاً موسعاً لقراءة تداعيات الحرب على إيران، وانعكاساتها على مستقبل النظام الإقليمي، وموازين القوى في الشرق الأوسط.

