فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها على الخسارة كذلك منطقي ومفهوم، غير أنّه في كلّ شعوب العالم هناك قطاعات جماهيرية لا تنشغل كثيراً بالأمر، ولا ترى في القصّة كلّها، فوزاً أو هزيمة، تأثيراً على الكرامة الوطنية… أو هكذا يُفترض. إلّا أنّه في الأوطان المأزومة يتحوّل التشجيع الكروي إلى وحدة قياس للوطنية والانتماء والولاء، ويختنق الوطن نفسه بدخان الدجل والشعوذة السياسية.
من ذلك، صاح أحدهم: قولاً واحداً، من لا يشاهد المباراة ويشجّع المنتخب خائن. … هكذا بركلة، أو رفسة واحدة تأتي من الفضاء الإلكتروني، أو الأثير التلفزيوني، يمكن أن يجد مواطن نفسه مجرّداً من الانتماء ومتهماً بخيانة الوطن، الذي يلعب في النسخة الأميركية من كأس العالم، في لحظة تتجمّع فيها سحب الهستيريا وأشدّ موجات الإرهاب الكروي.
هي اللحظة التي يُختزل فيها الوطن كلّه في لعبةٍ من المُفترض أنّها رياضة مُمتعة وليست مختبراً لقياس درجة انتماء اللاعبين والجمهور، غير أنّها تتحوّل إلى لوثة من الاستقطاب الرياضي المُخيف تستثمر فيها السلطات المُستبدّة وتنتهي بقسمة الناس إلى فريقين: وطنيون يهتفون بجنون، وخونة لا يندفعون إلى الشوارع والساحات عند الفجر للفرجة على الوطن إذ يخوض معركته.
لا يحضر هذا الجنون إلا في عصور الانحطاط السياسي فحسب، إذ تلعب السلطة برأس الجماهير، على العشب الأخضر، وقد برع في تصوير هذه الملهاة أو المأساة، الكاتب السكندري الراحل محمد حافظ رجب، في قصة بعنوان “الكرة ورأس الرجل”، ويتحدّث فيها عن استبداد الهوس الكروي بأدمغة الناس، إلى الحدّ الذي يدفع كاتباً مُثقفاً إلى التفكير في أن يبيع رأسه ليلعبوا بها ويركلوها في المباريات، بدلاً من الكرة، لكي يعيش.
وفي هذه المسألة، رصد المثقف المصري، الراحل محمد سيد سعيد، كيف تنهض نظرية أكثر اكتمالاً لفهم التغييب العمدي للشعب عن واقعه السياسي والاجتماعي أو عن شؤونه العامة، وهي نظرية التلاعب بالعقول. فوسائل الإعلام الجماهيري تنظر إلى الجمهور خامة قابلة للتشكيل كما يشاء مؤلفون ومخرجون وأطقم فنية تعمل على امتداد الزمن من دون توقّف. ويعتقد هؤلاء جميعاً أنّ عليهم التعامل مع المُشاهدين بوصفهم قطيعاً مسحوراً يمكن تسييره إلى الوجهة التي يريدونها، بشرط إتقان فن السّحر ذاته، وهو ما يجري اليوم ليس بالوسائل البدائية لسحرة الماضي، وإنما عبر وسائط فنية بلغت شوطاً بعيداً من النضج. وبذلك لا تكتفي هذه الوسائل بتفريغ الشحنات الزائدة من الانفعال، بل تقوم بتوجيهها نحو الخصوم المناسبين.
وهكذا تدور فصول اللعب في اللعبة، مباراة كرة قدم، يؤديها اللاعبون، ويتحمّس لها الجمهور، فيما يريدها النظام السياسي بطولة وإنجازاً، يضعه في دولاب إنجازاته الوهمية الكاذبة، أو بالأحرى، يراها مناسبة لتعبئة الحناجر بأناشيد الوطنية الرخيصة، وفرصة لتسديد ضربة في دماغ الشعب، تسيل ما بقي من الوعي، وتجفّف حالة السخط المُتصاعد ضدّ الهزيمة الحضارية الكاملة التي ألحقتها هذه السلطة أو تلك بوطنها. ولذلك؛ عادة ما يشتغلون بدأب على إعلان التعبئة الجماهيرية العامة، قبل بدء المنافسة، ويصدّرون للناس أنّ الوطن في حالة حرب، ومن لا يصفّق يُجرّد من وطنيته، إذ تحضر كلّ مكوّنات اللعبة السياسية ويجري إعلان النفير العام لحشد الناس خلف الوطن الذي يحارب تحت قيادة وحكمة الزعيم المهزوم سياسياً وأخلاقياً، والباحث عن التعويض، بأقدام اللاعبين في المستطيل الأخضر.

