في معركة جوجميلا عام 331 قبل الميلاد، لم يكن الفرس يفتقدون السيوف ولا الجنود. كانوا يملكون جيشًا هائلًا يفوق خصمهم عددًا، ويملكون ساحة معركة واسعة صُممت أصلًا لتمنح عرباتهم الحربية أفضلية كاملة.
لكن إحدى الروايات التاريخية تتحدث عن استخدام الغبار كسلاح لا يقل أهمية عن السيوف نفسها.
حين تتحرك أعداد كبيرة من الفرسان في اتجاه معين، لا يرى الخصم الحركة فقط. بل يرى الغبار الذي تتركه خلفها. وفي كثير من الأحيان يصبح الغبار هو القصة، بينما يحدث الخطر الحقيقي في مكان آخر.
ربما لهذا السبب بدت بعض مباريات الجولة الأولى من كأس العالم مألوفة بطريقة غريبة.
معظم المنتخبات الكبرى جاءت إلى البطولة وهي مسلحة بأحدث أفكار الضغط والبناء والاستحواذ. الجميع يتحدث عن زوايا التمرير، والتمركز بين الخطوط، وكيفية إغلاق العمق، وأفضل الطرق لمنع الخصم من الخروج بالكرة.
لكن بينما كانت العيون تتابع كل هذا التعقيد في وسط الملعب، كان هناك شيء أبسط يحدث على الأطراف.
قلوب دفاع تملك الوقت.
وأجنحة تنتظر في مساحات مفتوحة.
وكرات طويلة تعبر نصف الملعب في ثانية واحدة لتتجاوز كل ما بُني قبلها.
ليست الفكرة جديدة. لكنها بدت أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى في الجولة الأولى.
فبينما انشغل كثيرون بمراقبة الغبار، كانت الضربة الحقيقية تأتي من مكان آخر.
اسكتلندا أمام هايتي.
أمام ضغط متوسط بـ 4-4-2 من هايتي، اعتمدت أحد أفكار المنتخب الاسكتلندي على التمريرات الطويلة المرسلة من قلب الدفاع الأيمن “RCB”.
الفكرة تبدأ حين يلتزم الظهير الأيمن خط التماس لتثبيت جناح هايتي الأيسر، وكذلك نفس الشيء الجناح الأيمن لإبعاد الظهير الأيسر عن قلب الدفاع، بينما يحاول ارتكاز اسكتلندا الذهاب عاليا لجذب مهاجم هايتي لنقطة أعلى وترك مساحة كافية لقلب الدفاع لإرسال الكرة الطويلة.
يبدأ مهاجم اسكتلندا تشي أدامز في السقوط قليلاً للمنتصف لسحب قلب دفاع هايتي الأيمن وإخراجه من تمركزه، وذلك تزامنًا مع استعداد زميله لاستلام الكرة في المساحة. بعد السقوط يبدأ تدريجيًا في الركض في المساحة المنشأة بين قلب الدفاع والظهير.
بعد تدرج المنتخب الاسكتلندي والوصول لهذه النقطة سجلوا هدف اللقاء الوحيد من خلال تلك اللعبة.
السويد أمام تونس.
بهيكل 5-4-1 وضغط بكتلة متوسطة، حاول منتخب تونس الضغط على قلوب دفاع منتخب السويد الطرفية “RCB” و “LCB” وذلك بقفز الجناح الأيمن على قلب الدفاع الأيمن والعكس في الجهة الأخرى، بينما يلتزم الظهير بالظهير وثنائي الوسط بثنائي الوسط لصنع مرآة.
حاول المنتخب السويدي إسقاط لاعب إضافي في الوسط في مرحلة البناء، فقط للسماح بثانية أو أقل لقلب الدفاع الوسطي، بالتالي التمرير العرضي لقلب الدفاع الطرفي. في المشهد التالي نجح قلب الدفاع الأوسط في كسب ثانية للتمرير نحو قلب الدفاع الأيمن، حيث تأخر جناح قليلا للضغط عليه لانشغاله بلاعب الوسط الإضافي.
بمجرد استلام قلب الدفاع الأيمن الكرة، يحاول النظر نحو المساحة الأمامية بين قلب دفاع تونس الأيسر والظهير، وحينها يبدأ مهاجم السويد إيزاك في السقوط نحو المنتصف لسحب قلب الدفاع، بينما يعزم ظهير السويد الأيسر البقاء على الخط لشد ظهير تونس.
بعد ما تأكد وجود مساحة قابلة للركض فيها، يبدأ إيساك بالدوران والعودة ثم الركض في المساحة، منتظرا تمريرة طويلة من زميله.
البرتغال أمام الكونغو الديمقراطية.
أمام منتخب عنيد ومنظم مثل منتخب الكونغو، بدت البرتغال وكأنها متفاجئة نوعًا ما من تنظيم الأخير خاصة في الحالة الدفاعية، لكن من الواضح أن المنتخب البرتغالي كان لديه طريقة واضحة للتعامل مع هذا التنظيم.
فمع تمتع أصدقاء رونالدو بتشكيلة تملك لاعبي وسط يجيدون تهدئة الرتم وظبط الإيقاع، وكذلك أجنحة تجيد مهاجمة المساحة، بدا أن مارتينيز كان لديه بالفعل خطة.
بهيكل 5-3-2 في الضغط المتوسط، ظهر تنظيم منتخب الكونغو بأنه مرتب لعدم السماح للبرتغال باللعب بين الخطوط نظرا للجودة الهائلة التي يتمتع بها معظم أفراد المنتخب البرتغالي، وبعد محاولات من مارتينيز لتجربة اللعب بين الخطوط في أول ثلث ساعة قبل استراحة شرب المياه، قرر استخدام الطريقة التي تناسب أفراده أكثر على الخطوط.
هنا يبدأ لاعب الوسط فيتينيا في السقوط بين قلوب الدفاع، فمع تناوب مهاجمي الكونغو ويسا وباكامبو على القفز بين الطرف وإغلاق العمق على حسب سياق الهجمة، كان من الصعب مجاراة هذا الثنائي المزعج، لذلك سقوط فيتينا بين ثنائي قلوب الدفاع كان حلا لا بديل عنه.
هنا يبدأ فيتينا بالسقوط لسحب مهاجم الكونغو، إذا لم يحاول مهاجم الكونغو الاقتراب منه، سيعبره فيتينيا ويصبح وسط الملعب مكشوف بالنسبة له وهذا غير مسموح للاعب بقدراته لذلك الاقتراب ضرورة، لكنه أيضا يسمح لقلب الدفاع الأيسر بمساحة أكبر ووقت أكثر على الكرة قد يتمد لثانية تجعله قادر على تجاوز مهاجم الكونغو.
بعدما ينجح في تجاوزه، يفهم الظهير الأيسر، مينديز، أن عليه الدخول إلى العمق قليلا لسحب لاعب الوسط الأيمن والسماح لزميله بمتابعة طريقه على الخط، هذه هي الفكرة.
بعد ما يصل قلب الدفاع الأيسر إلى النهاية، ولأن جودة تمريره عالية، فأنه يبدأ بالتمرير الطويل على الخط لجناح الخط والمنطلق نيتو، خلف قلوب الدفاع.
مرة أخرى، يسقط نيتو للخلف لجذب لاعب الوسط الأيمن، مينديز هذه المرة يلتزم بخط التماس لإبقاء الظهير هناك، وبرونو يسقط لسحب قلب الدفاع الأيمن.
بمجرد أن يستلم قلب الدفاع الأيسر يمرر تمريرة طويلة في المساحة المنشأة بين قلب الدفاع الأيمن والظهير، والتي يركض فيها نيتو، وينجح المنتخب البرتغالي في العبور إلى الثلث الأخير.
جنوب إفريقيا والتشيك – وسيلة مختلفة وغاية واحدة.
الغاية هي الهدف النهائي الذي نسعى لتحقيقه، أما الوسيلة فهي الأداة أو الطريقة التي نستخدمها للوصول إلى هذا الهدف.
بدا منتخب جنوب إفريقيا وكأنه يحاول في العديد من المرات خلال البطولة استخدام حارسه ولاعبو وسطه لتحقيق غاية.
هنا يبدأ الحارس بالتمرير العمودي نحو الوسط، وهو شيء معتاد عليه مع فريقه صنداونز، سقوط ثنائي وسط هنا يسمح بسحب ثنائي وسط المنتخب التشيكي.. لماذا؟ لأننا نريد قلب الدفاع الأيمن حراًا تمامًا ولديه وقت كافي على الكرة، وذلك لأنه ليس لديه ما يكفي من الجودة لاستلام الكرة في وقت ضيق (معرفة قدرات اللاعبين أمر هام هنا).
عند استلامه للكرة، فإن لديه وقت للتمرير نحو ظهيره الأيمن، وأيضا هناك ثقة في قدرته على إيصال الكرة في المكان الذي نريده، خصوصا مع التزام الجناح الأيمن لخط التماس وشِغل ظهير منتخب التشيك.
وهنا يبدأ مهاجم جنوب إفريقيا في الركض في المساحة التي خلقت.
الغاية هي إيصال الكرة في المساحة بين الظهير وقلب الدفاع الأيسر، آما الوسيلة كانت استخدام حارس المرمى ولاعبي الوسط.
أما المنتخب التشيكي فقد حاول اللعب أكثر من الداخل، فمع ضغط جنوب إفريقيا المتوسط بـ 4-4-2 أو 4-5-1 ومحاولة إغلاق العمق وإجبار التشيك على اللعب نحو الأطراف ثم الترحيل، حاول المنتخب التشيكي استغلال الترحيل أثناء ذلك.
هنا يبقى لاعب الوسط بمكانه في محاولة لتثبيت ثنائي هجوم جنوب إفريقيا وإبقائهم بنفس الضيق، وبالتالي تصبح قلوب الدفاع لديها وقت أكثر قليلًا على الكرة.
عند استلام قلب الدفاع الأيسر للكرة، يحاول المهاجم السقوط قليلاً لسحب قلب الدفاع الأيمن، بينما يحاول لاعب وسط المنتخب التشيكي الركض في الممر الداخلي الأيسر، وذلك لاستخدام المساحة بين الظهير وقلب الدفاع الأيمن لجنوب إفريقيا، حيث سيأخذ لاعب الوسط وقتًا لإدراك ذلك التحرك.
الغاية هي إيصال الكرة في المساحة بين الظهير وقلب الدفاع الأيسر، آما الوسيلة كانت استخدام لاعب الوسط للتثبيت والمهاجم للسحب، وركض الجناح في الممر .
في النهاية، هذا يفسر نجاح بعض المنتخبات في تحقيق أفكارًا إيجابيةً، حيث لم تأت هذه الأفكار فقط من الشجاعة أو التنظيم، بل من قرارات تكتيكية محددة سمحت لها باستغلال واحدة من أكثر المساحات إهمالًا في كرة القدم الحديثة.

